أنا الشاهد الوحيد على الفقدان، وعلى الخسارات الحياتية المتتالية، وأنا الفاضح الوحيد لحياة تُقترح عليّ كل صباح وأنا أعي بأن طعم التزوير في مثل هذه الحياة يتسرب مع طعم القهوة الصباحية، ومع طعم التبغ الذي ما عاد شهياً. وأن المشهد الشجري التي تمنحني اياه نافذة بيتي، هو مشهد في غاية الخبث والتلفيق..

أنا الشاهد الوحيد على فقدان بعض الاصدقاء الذين توارت جثامينهم في تراب المقابر وسط التهليل والتكبير وتثبيت الشاهدين الحجريين كعلامة على ان هنا يرقد المرحوم الذي كان من أعز الأصدقاء. هنا دفنت ذاكرتهم المعافاة بصليل ضحكاتهم ذات الايقاع النادر، وهنا دفنت بقايا ذاكرة غرفة العناية المركزّة، وتلك الانابيب البلاستيكية النحيلة التي كانت ترسم على ملامحهم تلويحة الوداع، والاستعداد المباغت لتقبل الاقامة في غرفة الموتى.

أنا الشاهد الوحيد على الانسحاب التدريجي لبعض الاصدقاء وانشغالهم بمتابعة الامراض القارضة من ضغط وسكري وتصلب شرايين، وذاك الاستعداد الدائم الذي تدربوا عليه كلما تم تحويلهم الى غرف التصوير بالأشعة، أو انسحابهم بدراية تحاشي الفقدان بعد ان امتلكوا مهارة نسياني والتدرب الخبيث على فقداني.

أنا الشاهد الوحيد على فقدان بعض النساء اللواتي حاولن وأنا أطفح بعافية الاقبال على الحياة، أن يدخلنني في ذاكرتهن العشقية، وفشلن لا لشيء سوى أني تحاشيت الدخول في هذه الذاكرة كي تظل حالة التألق في ذاكرتي أنا كما أريد وكما أشتهي، لكن ومع ذلك وقفت معهن في منطقة محايدة لا تحتمل حتى المصافحة والقاء التحية، وكان مدهشاً أن أراهن بمثل هذا المشهد العظمي المحايد.

أنا الشاهد الوحيد على فقدان طرقات وشوارع ومنازل كانت نوافذها تطل على القلب تماماً كي تدب فيه كل صباح رغبة معاودة الاستبسال في سبيل مواصلة الحياة، وأنا الشاهد على بيوت كانت تحتفل باقبالي عليها وتشرع لي النوافذ وتمنحني تلك المساحة الشهية في الشرفات، وتحولت مع مثابرة الفقدان على الحضور الى قامات اسمنتية باردة وموحشة.

وأنا الشاهد على مدن احتفت بحضوري واستقبلتني استقبال الفاتحين، وكانت في كل صباح تتقدم من سريري كي تقدم لي أوراق اعتمادها في دائرة العشق والمحبة، أنا الشاهد على ساحاتها واسواقها ومواخيرها وعلى ابناء وبنات سبيلها.

أنا الشاهد الوحيد على حياة اكتظت بالحب والعشق. وأنا الشاهد الوحيد الذي بت أهمس لقهوتي كل صباح بحسرة وأنا أتساءل عن سر هذا الفقدان.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور