يظل التاريخ الانساني بمنأى عن التفاصيل الصغيرة، حيث لا يشد هذا التاريخ رحاله الى الا الحوادث الكارثية العظيمة، حيث يتأطر في مفاصلها الزمنية ويتأبد فيها كالموعظة، ويتحول صوته المتحشرج بالحكمة الزمنية، الى حالة استذكارية للانسان كي يتعظ. لكن المفجع في هذا المقام ان التاريخ لا يتوقف اطلاقاً عند التفاصيل الصغيرة الدرامية التي تمور في احشائه لتشكل مشهده الكبير.
فعلى سبيل المثال فان الحربين العالميتين الاولى والثانية ضمتا في تاريخ حدوثهما العديد من الكوارث المأساوية، لكن تاريخ هاتين الحربين لم يتوقف طويلاً عند بعض الكوارث التي هضهما بقسوة.
فعلى سبيل المثال لا الحصر لم يتوقف التاريخ طويلاً عند المجاعة التي أحدثها الاحتلال الهتلري لمدينة باريس، ولم يتوقف طويلاً عند الحصار الهتلري الاقتتالي المجرم لمدينة ستالينغراد السوفيتية، ولم يتوقف عند العشرة أيام التي هزت العالم، بتفاصيلها الحربية وكوارثها، وعلى سبيل المثال أيضا لم يتوقف التاريخ عند التداعيات التي خلفتها القنبلة الهيدروجينية التي القيت على هوروشيما اليابانية، حيث بقيت التشوهات المسرطنة لأثر هذه القنبلة في تشويه الأجنة الى يومنا هذا من التفاصيل الصغيرة التي لا يعبأ بها التاريخ.
والحال ان التاريخ البشري لمنطقتنا العربية لم يتوقف عند بعض الكوارث التي خلفها الاحتلال الصهيوني للاراضي الفلسطينية منذ نكبة عام 48 وحتى ايامنا هذه، بل اكتفى باطلاق التسميات المحايدة للحادثة بمجملها.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، وفي روبرتاج قدمته قناة الجزيرة قبل يومين تحدث الريبورتاج عن «ريما» الفلسطينية التي تركها أهلها في بلدة صفوريا خلال احتلال القوات الصهيونية عام 1948 وبقيت وحيدة، دون اهلها الذين لم تستطع الاتصال بهم لمدة «63» عاماً وهو عمر النكبة.
وريما الفلسطينية الصفورية التي كبرت وحيدة وتزوجت وأنجبت ما يربو عن سبعين حفيداً ساقت لها الأقدار أصغر شقيقاتها التي استطاعت أن تحصل على الجنسية الالمانية، وأن تذهب الى القرية التي تقيم فيها أختها ريما. المشهد الموجع للروح فعلاً هو لحظة التقاء ريما مع شقيقتها، حيث اختصر عناقهما غيابا استمر لمدة «63» عاماً.
ان الذاكرة الكارثية للانسان الفلسطيني الذي اقتلع من مكانه الأبدي وتم تشريده للمنافي هي ذاكرة تكتظ بمثل هذه المآسي. تلك المآسي التي يظل التاريخ يتقدم بأحذيته الثقيلة هارساً لكل التفاصيل الكامنة في هذه المآسي، ومكتفياً بالعناوين الكبيرة التي أقل ما يُقال عنها انها عناوين حمقاء.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور