قصة قيل انها حقيقية تروى عن احد وجهاء العشائر كان في مجلسه يوما ومعه عدد من الوجهاء واهله واقاربه، وبين الحضور رجل عادي "مواطن" من اقاربه ليس شيخا ولا وجيها ولا صاحب مال. وبينما الجميع يتحدثون فاذا بشيء يسقط من يد الضرير، فقام الشيخ بسرعة الى مكان الضرير وساعده على استعادة ما سقط منه، فاستغرب الجلوس بل ان بعضهم استهجن ان يكلف الشيخ نفسه ويقوم من مجلسه لمساعدة رجل مسكين، وربما سمع الشيخ من بعض الجلوس ما يفيد ان كل الضرير لا يستدعي ان يقوم الشيخ من مجلسه حتى لو سقط ذات الضرير لان مكانة الشيخ اكبر من ان يكلف نفسه العناء ويقطع حديثه ويترك ضيوفه الوجهاء ليذهب الى حيث يجلس الرجل المسكين.
لكن الشيخ وهو يستحق هذه المكانة رد على كل هذا بالقول "لولا هذا الضرير فلن اكون شيخا، لان هذا من اقاربي وعشيرتي، فلو لم يكن هؤلاء الاقارب موجودين فلن اكون وجيها او شيخا، فوجود هذا الضرير وبقية اقاربي هو من جعلني شيخا". وهذا الفهم ليس خاصا بعائلة او عشيرة بل بكل موقع وكل مكان او مكانة رفيعة؛ فالمدير لايكون مديرا او رئيس قسم اذا لم يكن هناك موظفون يمارس عليهم القيادة والادارة. والوزير ليس وزيرا اذا لم يكن هنالك موظفون ومراجعون والحكومة لاتكون حقيقية اذا لم يكن هنالك مواطن وقضايا وعلاقات ومنظومة حقوق وواجبات بينها وبين الناس.
والقضية ليست فقط في وجود المواطن حتى يكون هنالك شيخ او مدير او حكومة بل في مكانة المواطن لدى هذه الجهة، لان الشيخ يحتاج الى من يحترمه والى من يثق به والى من يفوضه للحديث، فقيمة الشيخ انه ممثل لاهله ومفوض بالحديث باسمهم وهذا يعني ان ما يقوله محترم ومحل تنفيذ أي انه يجب ان يكون هناك من يثقون يقدرته على الحديث والتفكير واتخاذ القرار. وهذا يعيدنا الى المربع الاول ان المواطن هو الاصل وان الشيخ الحقيقي هو الذي يدرك قيمة اهله وربعه، واما من يتعامل معهم على انهم كسور عشرية فانه سيجد في لحظة ما انه فقد عمليا او بشكل كامل قيمته كشيخ لان الناس تبحث في كل تجمع عن مرجع وشيخ تثق بحكمته وتعرف انه يعرف قيمتها ومكانتها.
بمنطق الديمقراطية فان الناس تبدل ممثليها كل حين، لكن ليست كل الامور مواقع بل حالة تمثيل قيمي ووطني، ولهذا فهناك في كل مجتمع اشخاص ليس لهم مواقع ولم يصبحوا نوابا او وزراء لكنهم يمثلون لدى الناس حالة مرجعية لا تتبدل لان هؤلاء حافظوا على مكونات فيهم منحتهم ثقة الناس وحتى تمثيل ضمائرهم وهذا اهم من تمثيلهم في المواقع.
وهنالك اشخاص في كل المجتمعات حصلوا على اعلى المواقع الوظيفية في الحكومات لكنهم عندما يغادرون المواقع تتضاءل مكانتهم الا بين مجموعة صغيرة جدا ولا يمثلون للناس اكثر من اسم وربما سجل اعمال معظمه ليس عظيما، فالموقع الوظيفي لايصنع رموزا وحتى عندما يتم في أي مكان سطو للمواقع التي تأتي بالانتخاب وتحويلها الى الانتخاب الشكلي والتعيين الحقيقي فان النتيجة ان من يتم تعيينهم بالانتخاب لا يتحولون الى ممثلين بل تفقد مواقعهم صفتها التمثيلية.
لو ان كل صاحب مكانة ادرك قيمة المواطن العادي مثلما ادرك الشيخ قيمة الضرير لبقي الوزير وزيرا والحكومة حكومة والشيخ شيخا والاعلام اعلاما والنقابات نقابات ....الى آخر القائمة. وهذا ليس خاصا ببلادنا بل في كل المجتمعات.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة