ما الذي على الأب الذي شرب حسرة وفاة ابنته الصبية في ذاك الضحى النيساني، أن يفعله في حضرة غيابها. وكيف عليه أن يسرد أمام روحها فاجعة غياب رنة صوتها واطلالتها القمرية وانسدال شعرها الفاحم، وابتسامتها التي ظلت غامضة.

ها أنا أغمض عيني وأذهب الى غرفة العناية المركزّة أقف على مقربة امتار قليلة من سريرك المحاط بالستائر، بينما صرخات الألم تجرح صدرك ورئتيك بالجلطات المتتالية. كنت في منتهى العزلة البشرية وقتها، كنت أمام وحشة تكاد تكون كوكبية. وحشة تجرحها صرخاتك، وفجأة حلّ الصمت واقترب مني الطبيب، بملامحه التي تشبه حبة دواء بيضاء وكبيرة قائلاً لي: «هل أنت والد رلى» فقلت بسرعة «نعم « فقال بنبرة من الواضح أنه تدرب على نطقها « البنت أعطتك عمرها». وحينها أدركت أنك لم تعطني عمراً بل أخذت حصة من عمري وذهبت، لا لشىء سوى أن العادة جرت أن يشرب الأبناء حسرة غياب الاباء والأمهات وليس العكس.

ماالذي على الأب الذي خسر ابنته ان يفعله لحظة خبر تلقي الوفاة؟ كان عليّ أنا الطفل الكبير أن أخرج من المستشفى وأن أتحاشى مشاهدة جسدك المسجى، وأن أبقيك حية في رأسي وفي ذاكرتي، وكان عليّ أن أستعد وبرجولة لم أعهدها في نفسي، لعلها تلك الرجولة النادرة للأجداد والأعمام، كي أتماسك بخطواتي كي أبلغ أمك وشقيقتك وأخوانك انك مت، مثلما كان عليّ أن أذهب الى ابنك مهند وأقبله وأطل على رضيعتك «صبا» التي أخذت حليبها معك حيث نومتك الأبدية والقبرية.. وذهبت. وكان عليّ تذكر مصافحتك لي قبل موتك بليلة وأنت تطالبينني بما يُشبه أخذ العهاد وأنت تقولين «دير بالك على اولادي يا بابا».

ما الذي على الأب الذي لم يتدرب على الدخول الى المشرحة، ولا على اختيار المقبرة والقبر المناسب، واقامة السرداق،ولا على صلاة الجنازة على أعز الأبناء أن يفعل؟ كان عليّ أن أختار موقعاً مناسباً في مقبرة وادي السير، وأن أتقبل دعوة العامل الوافد الذي قادني من يدي كي أرى الحفرة القبرية التي صنعها لك، وأن أرقب خروجك من باب المسجد وأنت ترقدين بكفنك الأبيض على المحفة.

آه يا رلى لا لن أستطيع اكمال الكتابة والتذكر، لا لشيء سوى اني أغرق في حالة بكاء. بكاء جعلني أنحب وكأنني فقدتك للتو


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور