يحتاج كاتب الزاوية اليومية أحياناً الى اجازة، ربما بسبب رغبة عميقة عنده كي ينسحب من الانخراط الحبري اليومي مع العالم والمواظبة على الكتابة ، أو ربما بسبب رغبة كي ينجو من طبخ روحه اليومية مع الأحداث، ومحاولة التنصل قليلاً من الاستغراق في المشهد الحياتي ومحاولة مشاهدة نهر الحياة الهادر حوله بحيادية متعمدّة، كي ينجو قليلاً من شراسة الاحداث التي تدور حولّه، أوكي ينجو من متابعة فانتازيا القتل الجماعي للمواطنين العرب الذي تمارسه بعض القيادات العربية في الشوارع والميادين العامة هذه الايام.

ويحتاج كاتب الزاوية اليومية الى ما يُشبه فك الارتباط مع الصحف والحبر وتوالي نشرات الاخبار وحمى الفضائيات التي باتت تطارد أعيننا بالمشهدة الحثيثة صبح مساء، سيما وقد بدأ المواطن العربي بالتحول الى كائن اخباري بامتياز

وأنا فعلت كل هذا الاسبوع الفائت وحصلت على اجازة كاملة الدسم ولها طعم الاعفاء الكامل من كل التداعيات التي تمور بها المنطقة العربية. كان عليّ أن أجدد عقد روحي مع الاشجار التي كانت تصطف على كتفي الشوارع وهي تقدم لي نشيدها الأخضر،وتلك الحركة المُصمتّة التي تفعلها الريح مع حفيف أوراقها.

وكان عليّ أن أجدد عقد روحي مع شوارع عمان الذاهبة بالتأكيد ودون أي مواربة باتجاه وسط البلد، وكان عليّ أن أجدد عقدي الروحي مع ازدحامات ساذجة، بحيث يتخلل ذلك مراقبة بعض الاشباح المختبئة لباعة ولحوانيت بدأت تودع وسط عمان بسبب عقود الايجار الجديدة وتختفي.

كان عليّ معاودة مشاهدة صعاليك أرصفة عمان من باعة لبضائع ساذجة ترقد على بسطات طائرة وهي مرتعبة من قدوم موظف الأمانة، ومن مشاهدة متسولين وباعة علكة ومجانين لا يتألق جنونهم الجمعي الا في وسط البلد. وكان عليّ مشاهدة صفقات ساذجة لباعة الارصفة وهم يستغفلون بعض المواطنين الذين يتلذذون بالخديعة.

وكان عليّ أيضاً أن اعود تجديد عقدي الروحي مع الكتب التي تورمت في مكتبتي بانتظار أن أواظب على قرائتها من جديد، وأن أعود الى الى التحديق الجمري في تلك العوالم المدهشة التي تجسدها الكتابة الادبية والابداعية بعيداً عن مطحنة الساسة ومصادرتهم لكل جميل في هذا العالم.

اخذت اجازة وأنا أعرف أنّ العمر لم يعد يحتمل ارتكاب حماقات جميلة تجدد الرغبة في الاقبال على الحياة، لكني فعلتها وقمت بتجديد عقد الحياة وها أنا أعود بعد فك ارتباط مع مقارعة هموم الوطن وهموم الناس بالكتابة اليومية التي تشبه تتابع قطرات من الماء نظل نراهن على أن تحفر في صلادة الصخر تحت أقدامنا مانحة ايانا قوة التجدد.

تلك القوة التي القادرة على انهاضنا من فراشنا الصباحي كل يوم بذاك الاستدعاء الذي يجعل أرواحنا مخفورة بالكتابة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور