الرجل الذي كان يسير أمامي في اكتظاظ وسط البلد، وهو يحمل بيده اليمنى جهاز راديو «ترانزسستور»، أيقظ في رأسي ذاكرة الراديو، واقتادني نحو طفولة في منتصف خمسينيات القرن الفائت. الرجل جعلني أمشي مترنماً بذاكرة الراديو.

والرجل الذي ترك جهاز الراديو يتأرجح بين يديه، أعاد لي ذاك الجهاز الكبير ووجهه التكنولوجي الصارم وقماشته المذهبة وبمفاتيحه العاجية، وبالأوامر الصارمة التي القاها والدي علينا بعدم العبث به أو محاولة تخريبه، وبضرورة انتقاء المكان المناسب له في حجرة البيت الكبيرة. وقد أدهشني يومها ذاك «الأنتين» الذي تم تثبيته على سطح منزلنا بفناجينه العاجية أيضاً من أجل تقوية البث.

وقد أعادني الرجل الذي يسير امامي في زحمة السوق، الى التفاف الرجال في بيتنا حول الجهاز، وأنا أراقب تلك اليد التي كانت تمتد الى مفتاح تشغيل الراديو، وهي تسمعني أصوات شهقات كهربائية ممزقة لموجات الراديو، بحثاً عن الخطاب الذي سيلقيه الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، أو الاستماع الى وعود محطة صوت العرب المصرية وهي تعدنا بتحرير فلسطين من النهر الى البحر، وصوت المذيع المصري أحمد سعيد وهو يقول مهددا اليهود بأن على السمك أن يتجوع لأننا سنلقي بالاسرائليين الى البحر. أو الاستماع الى دقات ساعة بيغ بن وهي تمهد للنشرة الاخبارية الصارمة لمحطة لندن ولسماع ايقاع صوت مذيع لندن الذي يكاد يكون مكهرباً.

الرجل الذي ترك الراديو يتأرجح بين يديه ذكرني بالمساحة التي كان يحتلها والتي كانت تبدو مقدسة. وهي ذات المساحة التي كان يحتلها في بيتنا والمساحة التي كان يحتلها عند بقال الحي وفي المقاهي، مثلما ذكرني بالانسحاب التدريجي للراديو من مكانته هذه وخصوصاً حينما تحول الى جهاز صغير مثل الجهاز الذي يحمله الرجل الذي يسير أمامي، حيث صار بامكاني ان أحمل هذا الجهاز وأصعد الى سطح البيت وأحلس معه في خلوة خاصة استمع فيها الى كل الأغنيات والمسلسلات والبرامج الاسبوعية واليومية.

الرجل الذي هيّج روحي بذاكرة الراديو لم يدر انني دخلت أول محل صدفته يبيع الاجهزة الكهربائية، واشتريت منه جهاز راديو صغير، وأنني عدت الى بيتي وأنا أحمل جهاز الراديو وكلي فرح بتجديد ذاكرة الراديو.

لكن الرجل ذاته لم يدر انني وحينما جلست وتابعت الاذاعات والمحطات التي يبثها الجهاز، انني فوجئت باللهجات المغناجة للمذيعين والمذيعات، وان الأصوات المراهقة للمستمعين قد استفزتني كثيراً، وان البرامج الراقصة وتفاهة الأغنيات وصفاقة التعليقات جعلتني أرمي الجهاز جانباً.

وأنا أشعر بأنني أرمي بذاكرة كاملة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور