نعود إلى ظواهر الحياة السياسية وإلى ما يمكن أن نسميه دورة الحياة لأصحاب المواقع. وهنا لابد أن نشير إلى أن جزءا من المشكلة يعود إلى العقلية التي يدير بها الكثيرون حياتهم العامة.
فمن تكتب له الظروف أن يحتل موقعا كبيرا يدخل إلى دورة حياة لا ينجو منها إلا القليلون، فإن دخل الموقع وزيرا أو رئيسا أو أي موقع مفصلي فإنه يمارس كل ما لديه من مهارات وفواتير ليبقى أو يكون خيارا فيما لو غادر، وعندما يخرج من موقعه يظل مسكونا بالرغبة في العودة إلى سيارة الحكومة حتى لو قضى في الانتظار سنوات.
الطبقة الاولى من الاشخاص تبقى سعيدة بأن يتكرر اسمها في اخبار التغييرات والتعديلات، وتبقى اسيرة الحلم وتمارس كل السلوكيات السياسية التي تعتقد أنها تجعلها ضمن خيارات العودة ومنها الصمت أو الحديث الخالي من الدسم، وفي فترات إشاعات التغيير تحاول الظهور للحديث بما يذكر بها صاحب القرار، أما من هم أدنى مواقع فإنهم يحاولون البحث عمن يحملهم ويزكيهم من اجهزة الدولة أو التقرب الى من تحوم حولهم الإشاعات.
سلوك ودورة حياة حوّلت نسبة كبيرة ممن يحتلون مواقع كبرى إلى موظفين ينتظرون قرارات التعيين، وجعلت لديهم مكانة لا علاقة لها بعلاقتهم بالناس أو قوة الرأي أو اتخاذ المواقف، بل البحث عن مداخل العودة إلى الوظيفة.
والفترة التي تفصل الفرد عن العودة يقضيها مع المجموعة التي يرتاح إليها والحديث الدائم عما يتفق مع الحلم بالعودة، وهذا مما يجعل لدينا صالونات لا تحمل اسم "الصالونات السياسية"، بل هي "محطات انتظار" تمارس فيها عمليات نقد من هو اليوم في الموقع، ومن ينتقد مستعد للمشاركة في الحكومة ذاتها التي ينتقدها فيما لو جاءت له الفرصة عبر تعديل.
والصالونات السياسية فكرة ايجابية، لكن الصالون السياسي يختلف عن جلسات النميمة او التحسر، لأن الصالون السياسي حالة حوار مفتوحة يتم فيها تقديم الاراء والمقترحات ومناقشة الوضع الحالي، فهو اشبه بحالات العصف الذهني وتبادل الأفكار، ونتمنى لو كان لدينا صالونات سياسية حقيقية متخمة بالعلم والرأي والتقييم الموضوعي والنقاش العميق، فالصالونات مرحلة ادنى من التيار السياسي والحزب، لكن ما لدينا جلسات لا علاقة لها بالسياسة بل جلسات "سواليف".
المسؤولية ليست فقط على الأشخاص بل أيضا على دورة الحياة السياسية التي بنت عقلية الموظف حتى لو كان برتبة رئيس او وزير او ما يعادلهما، وهي العقلية التي جعلت فرصة العودة مرتبطة بالصمت والبيات وعدم ممارسة نشاط سياسي.
ربما يكون، احيانا، لدى فئات من هؤلاء ضعف في بنيتهم السياسية والمهنية فتجعل خيارهم الوحيد الانتظار حتى لو كان طويلا. لهذا نجد القليل من السياسيين من غادروا مواقعهم يمارسون عملا حزبيا حقيقيا أو ذهبوا إلى الناس عبر الانتخابات أو تحولوا إلى رموز سياسية وامتلكوا أوزانا من دون مواقع رسمية.
الدولة ودورة الحياة السياسية فيها تساهم بصناعة نوعيات متقدمة، لكن عقلية الموظف والفاتورة الدائمة لدخول الموقع والعودة اليه هي التي ساهمت مع اجواء الانفتاح في نشوء ما نسميه ظلما صالونات سياسية. لهذا لا غرابة ان تزداد القناعات كل يوم بأن لدينا قحطا سياسيا، لأن ماكينة الحياة السياسية جعلت الوظيفة هي التي تنتج من نسمي معظمهم ظلما بالسياسيين ولاعلاقة لهم بالعمل السياسي، حتى لو احتلوا مواقع سياسية.
حتى المواقع التمثيلية المنتخبة تحولت إلى تعيين بنسبة منها، ويدفع البعض فاتورة مواقع التعيين الرسمية ذاتها، لهذا فليس صدفة أن تضيق قاعدة الخيارات لأننا صنعنا ما أوصلنا إلى هذا!
المراجع
rumonline.net
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية