كانت الساعة تقارب الحادية عشرة ليلاًً، وكان بصحبتي الصديق جمال ناجي، وكنّا في وسط البلد، وتحديدا امام «دخلة» مطعم فؤاد، وكان الشاب الغربي السائح يقف بنعومة نادرة امام محل للعصير، وما أدهشنا بالفعل هي التفاف يده على آلة الكمان، وهذا العزف الكلاسيكي الذي يذكرك بأصل الكمان. كان الشاب يضع رأسه بحنو على قاعدة الآلة تاركاً أصابعه تترنم وتتنقل برشاقة وبحركات مدهشة، وهي تتقلب على أوتار الكمان.

وكان علينا لحظتها انا والصديق جمال أن نحاول تشييد المشهد من جديد، لا بل كان عليّ تحديداً وأنا أراه يهز برأسه بحركات ترحيبية لنا أن أذهب بعيدا في تحديقتي بهذا العازف، الذي هجر مكانه الأوروبي، وصالات الموسيقى الباذخة التي تتميز بها العواصم الغربية، وهجر معجبيه بنية مسبقة، وترك حتى العزف في شوارع وميادين غربية كي يحضر الى عمان ويقدم وصلته المجانية أمام محل عصير في «دخلة» مطعم فؤاد، ربما كي يحفر لروحه مساحة خاصة في المكان، ويؤثث تلك المساحة بالموسيقى، ويذهب في مخياله الخاص الذي لا بد وأنه أنشأ جماهيره التي كان يراها وخصوصاً حينما كانت تأخذه النغمات لاغماض عينيه بشكل حالم.

كانت المقطوعات تتوالى، وكان الشاب في قمة انفعاله الفني، وكان الشاب وحيداً مع موسيقاه، دون جغرافيا يعبرها بالمطارات والحدود وختم جواز السفر، كانت موسيقاه تقول بصوت واضح «ان هذا العالم بكامل جغرافيته هو لحضوري ولحضور موسيقاي»، وفي كل مقطوعة كنّا نلحظ انفعاله الفني وتسارع ارتباط روحه بايقاع موسيقى الكمان.

كان الشاب يحقق ذاته بطريقة حضارية بسيطة، تقوم على عزف مقطوعات موسيقية على كمانه، وذلك بغض النظر عن المكان وشحوبه الليلي، وبغض النظر عن تحديقتنا الساذجة بجرأته الحضارية هذه، مرت لحظات ومن ثم وعلى نحو مباغت شد قوس الكمان على الاوتار بتسارع ومن ثم وضع القفلة، ونظر الينا ممتناً وهو يهز برأسه وكأنه في قاعة أوبرا.

وكان علينا أن نصفق له ونشكره بهدوء وننسحب ونحن نحس بالامتنان لهذا الشاب الذي قطع قارات كي يكون في هذا المشهد، وفي «دخلة» نائية في وسط عمان.

انه الموسيقي الذي يظل يؤكد على أن الحياة يمكن أن تكون أكثر بهجة في معزوفات طائرة حتى لو كانت في سماء وسط البلد.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور