فريقا الإصلاح الاقتصادي والإصلاح السياسي في الأردن لم يتوقفا عن إدارة ملفاتهما بوسائل العلاقات العامة والإعلام من دون الاقتراب من حقيقة حجم ضغوطات الحاجات الاقتصادية وتراكمها والتي باتت تنال سواد المجتمع، وتشكل حالة عدم اهتمام عام بكل ما يقال حول الإصلاح والتنمية المدنية والسياسية وقصة الحريات وغيرها.
لا يعني ضغط أزمات الفقر والبطالة وأزمة الطاقة والوقود وتوحش ضريبة الدخل وغيرها من الضغوط الاقتصادية العودة الى الحوار القديم حول جدل أولوية التنمية الاقتصادية أم التنمية السياسية. بل المقصود الانتباه الى إننا لم نستطع الى اليوم ان نخلق تصورا وطنياً واضحاً يجعل الحاجات الاقتصادية للناس في صلب التنمية السياسية لان هذا الربط هو أساس الحريات والحقوق، وهو ليس ترفاً سياسياً او فضلة رفاه اقتصادي واجتماعي او عبثا فكريا، وفي مقدمة ذلك السؤال عن كيفية عمل التنمية السياسية الحقيقية على محاربة الفساد واجتثاثه، وبناء قدرات توزيعية عادلة لعوائد التنمية. وكيفية خلق التنمية السياسية الحقيقية مراكزَ عصبيةً حساسة في جسد الحكومة تتلمس حاجات الناس واولوياتهم.
تعد الحاجات الاقتصادية والحريات السياسية ثنائية متوالية في الجدل حول الأولويات، وبالتحديد في بلدان العالم النامي. فهناك سؤال مطروح بقوة وهو لماذا تدخل المجتمعات النامية نفسها بالمطالبة بالحريات السياسية وبالديمقراطية وحرية وسائل الاعلام وهي ترزح تحت طائلة حاجات اقتصادية صعبة. واصحاب هذا الاتجاه يذهبون الى ضرورة التركيز على الحقوق الاقتصادية لبلدان العالم النامي بدلاً من التركيز على الحقوق السياسية. وهذا التصور قدمته بعض وفود دول العالم النامي المشاركة في مؤتمر فينا(1993) حول حقوق الإنسان في العالم، ودافعوا عن هذا المنطق، وجاءت مبررات هذا الدفاع في القول بان مثل هذه الحريات تكبح النمو الاقتصادي، فيما تدخل البلدان بحالة من الفوضى، وهي بحاجة الى الاستقرار من اجل التنمية الاقتصادية، وكذلك القول بأنه لو ترك للفقراء حرية الاختيار بين امتلاكهم للحريات السياسية، أو تمكينهم من حاجاتهم الاقتصادية فإنهم بدون شك سيختارون حاجاتهم الاقتصادية، كذلك الادعاء بان التأكيد على أهمية الحريات السياسية والديمقراطية وحرية التعبير ووسائل الاعلام، ما هو إلا تقليد غربي يتعارض حضارياً مع القيم الآسيوية والأفريقية التي تتصف بالحفاظ على النظام والطاعة.
ان هذا النقاش الحاد والصعب الذي يفترض وجود صراع بين الحريات وإشباع الحاجات بدأ يأخذ اتجاهاً آخر في التكيف والتعامل بدل الصراع. فالحاجات الاقتصادية تتشكل ولا تنفصل عن الحاجة للحريات السياسية وبناء ثقافية مدنية، وهذا يعني ان الحريات السياسية والحقوق المدنية لها أهمية اغلى من حياة الإنسان نفسه بقدر ما ترتبط بالقدرات الأساسية التي تمكن الافراد من الحياة ذاتها.
والحريات العامة لها الدور الأساسي في تعزيز تلقي الناس لحقوقهم وحاجاتهم وعلى رأسها الحاجات الاقتصادية، كما ان الحريات السياسية والإعلامية وقيمها تمنح المجتمع تصوراً بناء لحاجاتهم ولفهمها في ضوء نظام اجتماعي معين.
ويؤكد هذا الاتجاه ان الدور البناء للحريات السياسية والحقوق المدنية، مهم في بناء اقتصاد معافى، حيث توجد علاقة ايجابية بين الحاجات الاقتصادية والحريات السياسية التي تسهم ببناء اقتصاد سليم ومتين.
ان ممارسة الحريات السياسية والشفافية والرقابة التي تقوم بها مؤسسات الديمقراطية، وفي مقدمتها وسائل الاعلام في المجتمعات النامية، لا تمثل استجابة لحاجات اقتصادية فقط, بل هي جسر لفهم حقيقة الحاجات الاقتصادية وطرق الوصول إليها، الأمر الذي عادة يتطلب نقاشاً صريحاً مفتوحاً وحوارات لأطراف عديدة تعمل على تقديم فهم أفضل وتحديد خيارات أوسع أمام النظام والناس. ولقد دفعت هذه العملية نحو انبثاق قيم جديدة حول العائلة ومفهوم السعادة ونوعية الحياة.
وأثبتت التحولات الديمقراطية نجاحا كبيرا في البلدان النامية في فتح خيارات عديدة أمام المجتمعات، ونجحت - كذلك- في منع الكوارث وعلى رأسها المجاعات، كما حدث في الهند، ولم تقتصر ممارسة الديمقراطية في هذا البلد النامي على منع الكوارث الاقتصادية إذ أعطت الهند الاستقرار والأمن النسبي، فتمت معالجة الخلافات السياسية ضمن اجراءات دستورية، وقادت الديمقراطية بعد نصف قرن الى استيعاب الدولة التنوع الاثني والمذهبي والثقافي المذهل.
إلى هنا يبدو أن الكلام النظري جميل ومعقول، لكن تثبت تجارب أكثر من دولة في العالم عدمية الجدل والنقاش حول اولويات الإصلاحات السياسية والاقتصادية، وعبثيته حيث يتحول هذا النقاش بالفعل إلى ترف تحت وطأة ضغوط الحاجات الاقتصادية التي تعصف بكل شيء وتأكل الاخضر واليابس، حينها لا ينفع الحديث لا عن تنمية سياسية ولا حريات!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد