ما دمنا في اجواء رمضان ومسابقاته ومسلسلاته، فإن المواطن اعتاد على منهج "التحزير"؛ لاننا نمارس التحزير فيما اذا كان ابو شهاب عقيد باب الحارة مقتولا او اسيرا، ونمارسه ايضا في المسابقات وهل نختار الهلال ام النجمة، ونمارسه فيما إذا كانت الحكومة ستعطل المدارس ام لا، وهو ايضا المنهج ذاته في القضايا العامة حتى ما كانت النصوص تنص على الحسم او شبه الحسم فيها.
فقبل اسابيع كان التحزير فيما يتعلق بانتخابات رئاسة مجلس النواب، التي وصلت الى اعلى درجات السخونة، ثم دخلت الى القطب المتجمد بعد تأجيل الدورة العادية شهرين. والتحزير لم يكن بعدد كتلة كل مرشح بل يتعلق بامكانية صدور ضوء اخضر او سماوي لمصلحة مرشح على اخر، لكننا اليوم دخلنا الى تحزير من نوع اخر: لماذا تأجلت الدورة العادية وهل سيكمل المجلس دوراته حتى انتخابات 2011؟
والتحزير لغة نمارسها في كل المراحل. فقبل الانتخابات النيابية الاخيرة مضت اشهر ونحن نحزر هل ستجري الانتخابات ام لا، مع ان كل الظروف عادية، ولا تستوجب حتى طرح فكرة التأجيل من قبل الحكومة، وحتى رئيس الوزراء، انذاك، لم يقدم اجابة شافية في مقابلة تلفزيونية، مع اننا كنا على بعد اشهر قليلة، وبقينا نمارس التحزير حتى ظهر الخيط الابيض.
واليوم نمارس تحزيرا حول الحكومة هل ستبقى ام ترحل. وسمعنا وقرأنا قبل العيد احاديث عن تعديل ثم إعادة تشكيل ترافقها توقعات التغيير. لكننا نقفز جميعا من التحليل المستند إلى الوقائع الى التحزير او تمرير ما نرغب، لان بعض المسارات السياسية، من الحكومات، لا تخضع للوقائع الواضحة.
أي حكومة ترحل اذا فقدت قدرتها على العمل، تعدل اذا كان هنالك خلل في اداء بعض الوزراء، ويعاد التشكيل اذا كانت مواصفات الرئيس متميزة.
المشكلة ليست فقط في دوائر صنع القرار، بل في الاوساط النخبوية التي لا تريد اخضاع ما تقول الى منطق الامور، فتلجأ الى الاشاعات والترويج للامنيات احيانا. لكننا حتى حين نعجز عن الوصول الى تحليل منطقي او نخاف من المفاجآت نختم اقوالنا بالقول: "إن الأمر عند صاحب القرار".
وحتى عندما يكون هنالك تغيير حكومي او تعديل حقيقي فإن الحديث عن الاسماء يكون ايضا بالتحزير. فأي وزارة تحتاج إلى وزير صاحب كفاءة وتجربة، وسجل وظيفي ناصع، خال من الشبهات او الضعف، لكن عمليات التحزير تعتمد على اشياء اخرى، لهذا تجد البورصة تذهب من اقصى اليمين الى اقصى الشمال، واحيانا يأتي الخيار ممن لا تنطبق عليه الحدود الدنيا من المواصفات، وهذا يعمق منهج التحزير بدلا من التحليل والتوقعات المنطقية.
واليوم تكاد معظم التوقعات تذهب باتجاه تغيير حكومي، ويمتد التحزير عبر قائمة مرشحين يحملون مواصفات مختلفة، لكن هل من الممكن ان يطمئن أحدنا الى تحليل يحدد شخصية الرئيس القادم وفقا لاولويات المرحلة المقبلة سواء كانت اولوية اقتصادية ام سياسية. وهل نريدها شخصية ذات حضور شعبي تستطيع ترميم بعض العلاقات بين الدولة والناس، او شخصية قادرة على معالجة مشكلات ظهرت مؤخرا او نقص في مواصفات الحكومة الحالية.
اننا نمارس الانتقال بين اسماء، وليس مواصفات ومؤهلات سواء على صعيد الرؤساء او الوزراء، ولهذا نبقى نمارس التحزير حتى يأتي الخبر اليقين الذي يزيد القناعة بأن "التحزير كنز لا يفنى"، وحتى قصص الشابين الأردنيين المعتقلين في أميركا تمارس الحكومة معنا تحزيرا، فلا نفهم ان كانت تعرف شيئا ام انها لا تعرف، ومن المرجح انها لا تعرف كيف تتصرف!
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية