ثمـة علاقـة لم تعد موضـع نقاش أو جدل بين النظم البيئية التي أوجدتها الطبيعـة وخبرات أجيال من البشـر في التعامل مع المكان والبيئـة من جهـة، وبين محددات التنميـة واستدامتها من جهـة أخرى، وهذا هو الدرس الذي يبدو اننا نفشل في استيعابه في كل مرة.
   فلقد كشفت الأمطار التي هطلت في جنوب البلاد قبل أقل من شهر حجم هذه المشكلـة، فيما نجم عنها من خسائر واضرار لحقت في البنى التحتيـة في مناطق متعددة وفي مراكز حيويـة في معان والعقبـة، حيث قدر حجم الخسائر والأضرار بحوالي 80 مليون دينار، كان من الممكن تجنب القدر الأكبر منها لو اخذ بعين الاعتبار خبرات الناس المحليين والنظم البيئية الطبيعيـة في تنفيذ العديد من المشاريع والمرافق الأساسية.
   تتكرر القصـة في كل موسـم هطول مطري مفاجئ وبالتحديد في الجنوب، حيث يتراجع الغطاء النباتي ويزداد تدخل النشاط التنموي في التعدي على النظم البيئيـة الطبيعيـة. وملخص القصـة ان العديد من المشاريع التنمويـة في البنى التحتيـة والطرق الاختراقيـة التي دشنت على مدى السنين الماضيـة، ورغم عشرات الدراسات وبيوت الخبرة التي تقدم الاستشارات لم تراع الحقائق الطبوغرافيـة لسطح الأرض وحركـة جريان المياه ولم تشفع لها الدراسات الهيدرولوجيـة ان وجدت، حيث عملت الأنشطة التنمويـة الواسعـة على تخريب نظم بيئية تكونت عبر مئات السنين. ولم تأخذ تلك الأنشطة وما تضمنته من مشاريع مثل تدشين المباني العامـة والأحياء السكنيـة وفتح الطرق ومد الجسور أو خطوط أنابيب الصرف الصحي ومحطات التقنيـة وغيرها من خبرات الطبيعـة الأمر الذي جعل هذه الإنجازات عرضة للتدمير والخراب، حيث عملت تلك الأنشطة على إغلاق الكثير من الأدوية ومسارات تصريف مياه الأمطار الطبيعيـة.
   وللأسف لا تُكتشف هذه التعديات إلا بعد وقـوع عاصفـة أمطار مفاجئـة تشكل ما يسمى بالجريان الفيضي الهادر الذي يشكل سيولا جارفـة تتجمع في نقاط محددة بفعل إعاقة جريانها الطبيعي جراء إغلاق او ردم مسارب تصريف المياه التي أوجدتها الطبيعـة، وهكذا تتضاعف قـوة تيار المياه الجارف ويتجمع احياناً في اتجاه آخر بعد ان يجبر على تغيير اتجاهه الطبيعي.
   والمشكلـة الأخرى ان هذا النوع من عواصف الهطول المطري المعروفة في الجنوب تأتي بعد مواسم من الجفاف وفي فترة قصيرة وبهطول كثيف ما يزيد من كثافـة وزن المياه وقوة حركتها، وبالتالي قوتها التدميريـة.
   حدث ذلك في البتراء مرات عديدة خلال العقد الماضي بفعل ما شهدته المنطقـة من نشاط تنموي أسفر عن ردم معظم مسارب تصريف المياه الطبيعيـة بما في ذلك ردم أوديـة بأكملها، ووصل الأمر إلى تهديد المواقع الاثريـة، وتكرر الأمر مرات عديدة؛ آخرها (شتوة) شباط الماضي، قبل ثلاثـة أسابيع، التي أسفرت عن تدمير شبـه كامل لمحطـة تنقيـة مياه العقبـة الجديدة والتي تقدر كلفتها بحوالي 30 مليون دينار نتيجـة عدم وجود حمايـة حقيقية لها من أخطار السيول. وألحقت هذه الأمطار اضرارا كبيرة بمطار العقبـة وبالتحديد مشروع توسعـة المطار الذي أقيم في الأصل على مجرى طبيعي لتصريف المياه أو ما يسمى بالساحة الفيضية أو دلتا الوادي، وهنا عمل الاعتداء على مجرى المياه بفعل أعمال توسعة المطار على تغيير مجرى السيل باتجاه محطة التنقية.
   نتذكر ملف طريق العقبة وبالتحديد وادي اليتم حيث ثبت ان إحدى مشاكل الطريق الرئيسية ان جزءا كبيرا، يمتد حوالي 4 كم في منطقة وادي اليتم، تم تنفيذه على مجرى الوادي الرئيسي. وما تزال أخطاء الاعتداء على النظم البيئية الطبيعية تأتي بالكوارث والمشاكل في هذا الطريق وغيره، وهو ما يفسر ما فعلته الأمطار الأخيرة بخط مياه الديسي العقبة الذي حرم المدينـة من مياه الشرب لمدة أسبوع.
   يعيدنا هذا الواقع إلى سؤال محير. لماذا هذه القطيعة التي تفرق بين التنمية وخبرات الطبيعة والناس، ولماذا يراد ان تولد التنمية يتيمة ومن دون خبرات الآباء في هذا الشأن التي يعرفها الكثيرون منا. في دراسة نشرت في مطلع ثمانينيات القرن الماضي للفيلسوف والمؤرخ الفرنسي (فرناند بورديل) حول تاريخ الدروب والطرق في فرنسا، يؤكد بان أهم الطرق التي صمدت وعبرتها أجيال ونقلت عبرها السلع والأفكار، ودشنت مستقبل فرنسا؛ هي تلك الطرق التي دشنت على اثر الدروب الصغيرة، تلك التي شقتها الدواب أو أقدام المشاة

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد