مع نهاية الاسبوع انتقل الى رحمة الله تعالى احد المجاهدين الكبار من ابناء الجيش العربي الاردني الشيخ فهد مقبول الغبين، وهو رجل ممن عرفوا الكثير من تفاصيل الصراع العربي الصهيوني، وكان جنديا وقائدا في صفوف الجيش الاردني في معارك مهمة في حرب 48 و67 وكان قائدا لمعركة السموع بين الجيش العربي والعدو الصهيوني.
واذكر قبل سنوات انني التقيته، رحمه الله تعالى، في مناسبة لمؤسسة المتقاعدين العسكريين وكان يتحدث عن بعض ذكريات عام 48 وكيف كان ابناء الجيش الاردني يقومون بتهريب السلاح الى المقاومين الفلسطينيين والعرب بأمر من الملك عبدالله رحمه الله. وانه بالرغم من سيطرة القائد الانجليزي، الا انه كانت تتم عملية تزويد المناضلين بالسلاح. وتحدث طويلا عن مواقف الشرف على اسوار القدس في تلك المرحلة وغيرها من المراحل العسكرية.
وكما عرفه الناس شيخا عشائريا، له باع في القضايا الاجتماعية، فان الغبين يجب ان يقدم لابنائنا باعتباره واحدا من الذين خدموا قضايا امتهم وكان مجاهدا وجنديا وقائدا، لان هذه النماذج الكريمة جزء من تاريخ الاردن. وهو وأمثاله رموز ربما لا يعرف عنهم الكثيرون الا مكانتهم الاجتماعية لكنهم حملوا الكثير من اعباء مراحلهم وقدموا الكثير وكانوا يقاتلون وفق عقيدة قتالية ايمانية ووفق منطلق عربي كبير.
وكما نربي اجيالنا اليوم على بطولات وهمية لمسلسلات باب الحارة وبيت جدي، ويتسابق الاولاد لوضع صور ممثلين على صدورهم باعتبارهم رموزا للرجولة وهزيمة الاعداء، فان الواجب ان نقدم لاجيالنا، بل للجميع، قصص البطولة ومواقف الشرف الحقيقية التي صنعها رجال كرام من ابناء امتنا وعلى رأسهم رجال الجيش العربي الاردني، الذين قدموا الكثير وتعاملوا وفق امكاناتهم المتاحة بكل شرف ورجولة، ولم تهزمهم شجاعتهم او رجولتهم، بل ألاعيب السياسة في تلك المرحلة وتعاضد الاستعمار مع العصابات الصهيونية وضعف الامة.
ربما لو عرف ابناؤنا وحتى الكبار في مجتمعنا قصص الصمود على اسوار القدس عام 1948، وكيف قاتل الرجال وكم هي البطولات والصبر الذي كان لوقف الناس اجلالا واكبارا عند سيرة كل شخص ولعرفوا عندما يسمعون خبر وفاة جندي وقائد مثل الشيخ الغبين وإخوانه كم هي الرمزية العسكرية والوطنية لرجالات كرام من ابناء الاردن.
القصة ليست عند الشيخ الراحل، بل عند عشرات حتى ممن كانوا جنودا، ولم يكونوا ضباطا. ومن يقترب من تلك الصور يدرك كم لدينا من مخزون قصص الرجولة والبطولة التي فرطنا في تقديمها لمجتمعنا، وكم لدينا من مخزون تاريخي يستحق ان نفتخر به وان ندرّسه لجنودنا وكل مواطن منا، وكم هي الاثار التربوية التي نقدمها لمجتمعنا لو عرضنا للناس قصة استشهاد فراس العجلوني او بعض قصص الرجولة في معركة الكرامة او معركة السموع او حرب عام 48. وكم سنلبي في واقعنا حالة اعتزاز بانفسنا لو كانت حكايات الشهداء جزءا من برامج التلفزيون او مناهج الدراسة او افلاما تعرض علينا.
نتحدث عن الجندي والقائد الشيخ الغبين، لأنه أنموذج من نماذج رجالات الجيش العربي وتعبير عن صدق انتماء الاردنيين لقضايا أمتهم. وهم جميعا نماذج تربوية قصرنا كثيرا في تحويلها الى جزء من واقعنا بدل ان تكون حكايات تروى هنا او هناك ولا يسمع بها من يجب ان تصله.
لو بحثنا، بعمق وصدق، لكان لدينا تاريخ موثق ومعروض يستحق منا الإنفاق لانه بناء لثقافة وطنية وليس إنفاقا على مشاهد رديئة تسمى مسلسلات محلية.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية