شهد العام الحالي ارتفاع وتيرة الاعتقالات السياسية لناشطين ومثقفين عرب على خلفية النشر الالكتروني على شبكة الانترنت، الذي اصبح احد مصادر الإزعاج والاستفزاز للسلطات في أكثر من بلد عربي. والمفارقة المحزنة والمزعجة في هذا الشأن انه في الوقت الذي ما يزال العالم العربي في آخر قائمة شعوب الأرض في الاستفادة من التكنولوجيا الجديدة وتوطينها ونشرها نجد ان السلطات العربية قد حققت إنجازات متقدمة في محاولة تكميم هذه الوسائل وحجبها أو مراقبتها ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
ومع ان وسائل مراقبة النشر على شبكة الانترنت ما تزال محدودة نسبياً، فاننا لم نعدم من وجود طلائع مغامرة من النشطاء السياسيين الذين دشنوا عناوين هامة وواضحة ومعلنة للتنوير الديمقراطي، وأحيانا كثيرة من داخل بلدانهم في مواجهة صريحة ومكشوفة، ولكن بأدوات جديدة، آخرها انتشار ظاهرة المدونات الصحافية الشخصية أو ما يسمى (البلوغرز) وهي أشبه بمذكرات يومية تتناول شؤونا شخصية وعامة منها نقاشات سياسية تعنى بأحوال الحريات والحقوق والانتهاكات وترصدها يوماً بيوم. ولقد طالت أيدي السلطات في أكثر من بلد عربي العديد من أصحاب هذه المدونات وخلقت هذه الاعتقالات حالة تضامن الكتروني مع المعتقلين، حتى ان أحدهم استطاع الاستمرار في تغذية مدونته الالكترونية من السجن وتزويدها بأحواله يوماً بيوم.
الديمقراطية ترتبط بالقدرة على الوصول للمعلومات وهي القوة التي كانت على مدى التاريخ محتكرة من قبل السلطة وأصحاب الثروة ونخبة صغيرة من المجتمع. وبيئة الإعلام الجديد حققت اختراقا كبيرا حينما عملت على تجزئة مفهوم القوة ووزعته على اكبر قدر ممكن من الناس الذين ما عدوا حسب التعريف التقليدي مجرد متلقين ومستقبلين سلبيين لوسائل الإعلام، بل مستخدمون وفاعلون، وحسب اريك سميث ،المدير التنفيذي لمحرك "جوجل"، أصبحت الانترنت الأداة الأكثر فعالية في تغيير بيئة الإعلام المعاصر وستكون عما قريب الأداة الأهم في نشر الديمقراطية لأنها تُملك الناس قوة المعرفة، وتهز في الوقت نفسه عروش الحكومات التقليدية وتهدم جدرانها العالية، لم تعد الحكومات التقليدية تملك الطلاسم لتلوين عقول البشر كيفما تشاء وتفرض وصايتها الأبوية على الجماعات والأفراد، تحدث كل هذه التحولات وما تزال الشبكة في طفولتها المبكرة فهي ما تزال لا تحتوي الا على (10%) من المعلومات المتوفرة في العالم، ولا يزال انتشارها محدودا والقادرون على استخدامها اقل من ذلك الرقم.
تستطيع جمعية نسائية ان ترسل ملايين الرسائل الكترونية إلى مواقع البيت الأبيض أو الكونجرس الأميركي وتغير قناعات صناع القرارات خلال أيام أو ساعات، وتستطيع شبكة من التدفق الالكتروني تحريك مسيرات وتظاهرات بمئات الآلاف من البشر خلال أيام أو ساعات، يحدث ذلك في العالم وما تزال النظم العربية تعد أصابع مستخدمي الانترنت وتلاحقهم في الداخل والخارج.
معركة الإعلام الجديد في العالم العربي ما تزال في المهد، وينتظرها جولات وتحديات كبيرة. فمنتديات الانترنت ومواقع الانترنت السياسية الساخنة والمدونات الصحافية لا تعبر إلا عن ملامح حمل ينتظرها ولادة صعبة في بيئة لا تحتفي بالجديد ولا تبارك فيه، فثمة متوالية طويلة من التحولات التي أتى بها الإعلام الجديد تضرب في عمق الحياة السياسية وفي صلب النظرية الاجتماعية، وتعمق الهوة بين المفاهيم التقليدية والمفاهيم الجديدة من خلخلة مفهومي الدولة والمجتمع إلى موت مفهوم الجماهير وموت المتلقي واقتراب نهاية مفهوم القائم بالاتصال والانقلاب الجذري في مفهوم الرسالة الإعلامية بعد كل الذي شهدناها خلال عقد ونصف من انقلابات في مفهوم الوسيلة وطبيعتها.
يواجه العرب الفوضى التي تخلقها أنشطة متواضعة للإعلام الجديد على ساحاتهم بالسجون والمعتقلات والمطاردة وتكميم الشاشات وتكسير الأصابع، ولا يعلمون ان هذه البيئة جعلتهم في سجن كبير يصعب فك أقفاله وهم بأمس الحاجة إلى مساجينهم أكثر من غيرهم.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد