العتمة التي تنام عليها غزة منذ الأربعاء الماضي لم تضئ الطريق في البحث عن الجندي الإسرائيلي الأسير لدى فصائل من المقاومة الفلسطينية، بل أضاءت الطريق أكثر لمعرفة الحقيقة؛ التي تتلخص في تدمير فكرة الدولة الفلسطينية في الأذهان وعلى الأرض واليوم قبل الغد، عبر رؤية مركزية تقوم على تدمير مقومات البنى التحتية والمراكز الحيوية في المدن الفلسطينية كل بضع سننين. الواقع الذي يعني بكل بساطة انتحار فكرة الدولة على الأرض، وعلى هذا الطريق تتقاسم إسرائيل والولايات المتحدة ذات الرؤية في سياسات التدمير والتعتيم ونشر الظلام في العراق وفلسطين؛ ألم يتم فرز نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة في العراق على العتمة بعد ان دمرت بنى الدولة وحطمت مقوماتها، وهي ذاتها الطريقة الأميركية في بناء الديمقراطية التي تكررها إسرائيل في تدشين السلام، وهي تبحث عن جنديها في العتمة وعلى أضواء قذائف الدبابات والطائرات.
قد ينُظر للعملية التي أطلق عليها الإسرائيليون "أمطار الصيف" من زوايا مختلفة من داخل إدارة الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي ومن خارجه، ومن بينها الرؤية القائمة على ميزان كُلف الصراع بين الطرفين، على اعتبار ان الضغط على الكلف البشرية لدى الجانب الإسرائيلي له حدوده، وهناك قدرة تستطيع إسرائيل تحملها، ولا بد ان تنعكس هذه الطاقة المحدودة في تحمل الكلف إما بتصعيد كبير في العمليات العسكرية أو بالتراجع في المواقف السياسية، إلا ان المتغير الآخر الذي تؤكده هذه العملية حيث توصف بالمتدحرجة أي القابلة للتمدد إلى مناطق أخرى وشمول أهداف جديدة، هو حجم استهدافها المباشر للبنية التحتية الفلسطينية التي شهدت تنمية محدودة خلال قرابة عقد ونصف من عمر السلطة الوطنية وبأموال الممولين الدوليين.
يعني ضرب محطة الكهرباء الرئيسية في جنوب غزة نشر العتمة والظلام في أكثر من نصف القطاع، وحرمان حوالي سبعمائة ألف فلسطيني من الطاقة الكهربائية وما يترتب على ذلك من توقف ضخ المياه، وتعطيل عمل المستشفيات والخدمات العامة وقطاعات التشغيل والإنتاج، وهو الأمر الذي يحتاج على اقل تقدير ما بين ثمانية شهور إلى عام إذا ما توفر التمويل اللازم لإعادة تشغيل هذه المحطة؛ بمعنى ان الضربة الإسرائيلية أعادت قطاع الطاقة الفلسطيني خمس عشرة سنة إلى الخلف، حيث تتضح خطورة هذا الاستهداف فيما ينعكس على أحوال الناس المتردية في الأصل.
تدمير قطاع الطاقة وهدم الجسور الحيوية وتجريف الطرق ومنع وصول المشتقات النفطية وسط حصار مالي واقتصادي، وبطالة تزيد على 40% جميعها وقائع تفرضها إسرائيل ترشح قطاع غزة بأن يتحول قريباً إلى أسوأ مكان للحياة في العالم، مستودع بشري هائل حشر في شريط حدودي عبر مدن وبلدات مكتظة وفيه إحدى أعلى الكثافات السكانية في العالم، وسط غياب ابسط شروط الحياة ومقوماتها، ولا وقت للبناء حيث ان سرعة الهدم والتدمير اكبر بكثير، فما بناه الفلسطينيون خلال عقد ونصف دمرته إسرائيل خلال اقل من ساعة ونصف.
ان استهداف البنية التحتية الفلسطينية بهذا القدر من الإصرار يوضح طبيعة الأجندة الإسرائيلية القادمة، التي باتت تطبق على الأرض إجراءات عملية تخدم خطتها في فرض الحل الأحادي على الفلسطينيين، والتي ستفضي إلى خلق كيانات فلسطينية هزيلة مقطعة الأوصال تفتقد لمقومات الحياة أو الاستمرار، ولا تقوى على ان تصبح دولة في يوم ما، وفي ضوء تصاعد عمليات المقاومة النوعية وما حملته (عملية كرم أبو سالم) الأخيرة من دلالات على ظهور تيار مغامر داخل حماس، إلى جانب ما أعلنته كتائب الأقصى عن امتلاكها عبوات لغازات كيماوية وأخرى جرثومية وبغض النظر عن مدى جدية هذه المعلومات، فإن سيناريو غزة قابل بسهولة للانتقال إلى الضفة الغربية قريباً، حيث تكتمل الاهداف الإسرائيلية في هذه المرحلة في قطع الطريق أمام التوافق الفلسطيني، وجعل خطة الانطواء الإسرائيلية وتقطيع الأوصال الفلسطينية حقيقة وأمرا واقعا تقود إليه تفاعلات الأحداث، أكثر من كونها سيناريو عدوانيا وعنصريا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد