انتهى الفصل الأول الطويل من هندسة الفوضى في الشرق الأوسط الذي شكل بنى تحتية وأقام قواعد صلبة للمعادلات الجديدة في بعض المواقع، وترك صواعق انفجار جاهزة تنتظر دورها في أكثر من مكان، وفشل وارباك في مواقع أخرى. وتدل المؤشرات ان فصلاً ثانياً من هندسة الفوضى بات على الأبواب إذ لم تكن المنطقة قد دخلته بالفعل.
الخوف ان تكون العملية النوعية للمقاومة اللبنانية في شمال الجليل الفلسطيني التي أسفرت عن اسر جنديين اسرائيلين بداية الفصل الجديد من الفوضى المرتب لها ان تنال القريب والبعيد؛ فإسرائيل لن تترك الأمور تسير بهذه البساطة وهي المناسبة التي انتظرتها الولايات المتحدة وإسرائيل لإحداث تحولات نوعية في المنطقة، هذه المرة باستخدام القوة العسكرية التي ستدخل لبنان في لجنة فوضى أمنية جديدة؛ ستفتح الأبواب لإحداث تغيرات واسعة في أوضاع المشرق العربي، لن تغيب عنها احتمالات عدوانية جديدة، بعد أكثر من عامين على إطلاق سياسة الفوضى البناءة وما شهده لبنان من تحولات وإعادة اصطفاف عقب رحيل الرئيس رفيق الحريري وسلسلة أعمال الاغتيالات التي تلاحقت منذ ذلك الوقت. وقد كثرت في الآونة الأخيرة التعليقات الأميركية التي تشير الى خيبة أملها من قوى التغير التي ما تزال اضعف من إحداث التحول المطلوب في لبنان.
في هذا الوقت يسود شعور بأنّ ما يوصف بجبهة الممانعة السورية اللبنانية استعادت بعض توازنها، وعادت أكثر تماسكاً مع حلفائها في فلسطين حركة حماس وفي لبنان حزب الله، لكن الخطير، في الأمر، ان يكون مسار هذا التطور جزءا من هندسة الفوضى في فصلها الثاني، وهذه الواقعة يمكن تفسيرها بمسار الاسترخاء الأميركي الذي أصاب ملفات القضايا العالقة مع سورية وعمليات المد والجزر على الجبهة الدبلوماسية مع إيران، بعد ان تم تحييد الخيار العسكري معها، ثم قصة صعود حماس وتوريطها بالحكومة، واليوم إعادة إشعال نار حزب الله من جديد.
خلال الأيام القليلة الماضية تناقلت مواقع على شبكة الانترنت ذات صلات أمنية مع أجهزة عربية وإقليمية سيناريوهات أمنية وعسكرية مقبلة عليها المنطقة تبدأ من لبنان ولا تنتهي بها، تعيد الفوضى اللبنانية من جديد، ولن يكون هدفها أو محصلتها لا المقاومة الإسلامية ولا سلاحها ولا تحرير مزارع شبعا ولا إعادة التوازن والتفاهم بين مؤسسات الحكم في لبنان، بقدر الوجود الديمغرافي الفلسطيني في لبنان حيث سيتحالف الفلسطينيون كالعادة مع المقاومة الإسلامية الأمر الذي سيراه لبنانيون آخرون سببا في عودة إسرائيل إلى لبنان، بينما ستكون المخيمات الحلقة الأضعف التي سينال منها الجميع وسيجد الفلسطينيون أنفسهم أمام موجة نزوح جديدة.
وبعيداً عن هذه التسريبات والتكهنات تطرح الوقائع  أكثر من منظور لتفسير التصعيد الآخذ في التطور فلسطينياً ولبنانياً:
المنظور الأول؛ يرى انه في الأصل تصعيد أميركي إسرائيلي مبيت يتعلق بالأزمات الأميركية المتتابعة في العراق وأفغانستان من جهة والرغبة في قطع الطريق وإحداث تحولات شبه حاسمة في علاقات القوة الجديدة التي ترفد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من جهة أخرى، وتأتي مهمة زيارة وزير الدفاع الأميركي الأخيرة للمنطقة في هذا الاتجاه.
المنظور الثاني؛ يرى ان مصدر التصعيد من داخل المنطقة نفسها ويخدم أجندات إيرانية وسورية التقت مع مصالح المقاومة، إذا ما علمنا ان إيران تقف على حدود استنفاذ صبر المجتمع الدولي في انتظار ردودها على المقترحات الخاصة بوقف تخصيب اليورانيوم، ثم ان العمليتين الفلسطينية واللبنانية كانت فيهما المقاومة هي المبادرة، وعلى كل الأحوال فإنّ الوقائع تقود بسهولة إلى سرد صفحات الفصل الثاني من مشاهد الفوضى قبيل بدء الانتخابات نصف الرئاسية في الولايات المتحدة نهاية هذا العام. وللأسف سيكون السرد هذه المرة بالرصاص والنار المباشرة، أكثر من الاغتيالات وهدير المظاهرات، مع ان عمليات التصعيد الراهنة في فلسطين ولبنان سياسية بالدرجة الأولى قبل ان تكون عسكرية، وهي مفتوحة على احتمالات واسعة.   

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد