وصف مسؤولون مصريون، بينهم وزير الثقافة فاروق حسني، عملية نقل تمثال رمسيس الثاني الضخم من وسط القاهرة إلى المتحف المصري الكبير بالقرب من اهرامات الجيزة بأنها ملحمة كبيرة، وعلى أهمية عملية النقل والدقة والكفاءة التي نفذت بها، إلا انها كانت ملحمة إعلامية بالمعنى الصحيح.
نجح المصريون وعبر شهور من التهيئة الإعلامية في تركيز انتباه العالم من جديد نحو عظمة الحضارة المصرية القديمة وأهميتها، ولم يغب عن البال ان تحمل الحملة إشارات سياسية تشير إلى هيبة الدولة المعاصرة وارثها، بالتزامن مع تزايد الحديث عن الدور المصري والمطالبة بدور قيادي لمصر في الأحداث والتحولات التي تمر بها المنطقة.
رمسيس الثاني الملقب بملك الملوك، والملك المحارب من الطراز الأول والقادر على حسم الحروب وفرض شروط السلام حكم مصر نحو 66 عاما. يعد الباحثون فترة حكمة أزهى عهود مصر القديمة وأكثرها أمجادا عسكرية، حيث حارب الحثيين القادمين من الشرق وانتصر عليهم في معركة قادش الشهيرة، وترك عهد رمسيس مئات الرموز واللقى والآثار التي ترمز إلى قوة دولته.
يوم الخميس الماضي كنت هناك ووقفت مع الآلاف من المصريين والأجانب ومئات الإعلاميين والمهتمين لإلقاء التحية الأخيرة على الملك المصري القديم في موقعه الذي اخذ اسمه منذ أكثر من خمسة عقود في ميدان رمسيس الشهير وسط القاهرة.
كانت احتفالية وداعية عفوية كبيرة مزجت فيها المشاعر الوطنية بآلام الرحيل وشارك فيها كل العابرين، وصباح الجمعة استيقظ سكان القاهرة ولم يجدوا تمثال الملك العظيم بينهم الذي تعودوا ان يسلموا عليه كل يوم وسط مدينتهم، حيث يتردد اسمه ملايين المرات كل ساعة، ربما بسبب المكان الذي حمل اسمه وضمنه محطة نقل ضخمة للحافلات والقطارات تربط أجزاء القاهرة وتربط المدينة بأنحاء البلاد الأخرى.
اختار المصريون ساعات الفجر الأولى لانطلاق موكب الملك من الموقع الذي نقله إليه رجال الثورة لأول مرة عام 1954 من مدينة منفس القديمة إلى وسط القاهرة. واليوم حرص القائمون بعملية النقل على التأكيد بأنهم لا يعيدون التمثال إلى الموقع الذي جاء منه، بل ينتقلون به إلى مكان جديد في إشارة قد يحمل التركيز عليها دلالات عديدة، وحينما سئل زاهي حواس، رئيس المجلس الأعلى للآثار المصرية، هل تعتقد ان رمسيس الثاني راض عن تغيير مكان إقامته؟ أجاب: انظروا إلى وجهه انه يبتسم!
بررت عملية النقل بما يعاني منه التمثال في ميدان منطقة باب الحديد من التلوث والاهتزازات، وما خلفه إنشاء مترو الإنفاق من أثار سلبية حيث وجد المكان الملائم في المتحف الذي يشيد حاليا على أول طريق الإسكندرية الصحراوي وعلى مساحة 860 الف متر مربع ليكون بذلك من اكبر المتاحف في العالم واكبر متحف للآثار المصرية في العالم. المهم وصل موكب الملك المحارب بحفاوة بالغة وسط الآلاف من الجنود الذين اصطفوا على طول الطريق وملايين الأيدي التي تلوح لتحيته من فوق سطوح المباني ومن النوافذ، ووجد في استقباله مائة ألف تمثال وقطعة أثرية في ارض المتحف الجديد.
لقد حظيت الحضارة المصرية القديمة بقدر لم تضاهها به حضارة اخرى في الشغف الإعلامي منذ عقود طويلة، نظرا لما تتمتع به من غنى وغموض وأسرار وتسابقت على توظيف رموزها شركات السينما ودور عروض الأزياء ومئات السلع والمنتجات، واستفادت من ذلك الدولة المصرية المعاصرة في تأهيل الهوية الوطنية في مواجهة الداخل والخارج بشكل متوزان وذكي في بعض مراحلها.
وبغض النظر عن مبررات نقل تمثال رمسيس والآلية التي تمت بها، فإن الحادثة وظفت إعلاميا بشكل جعلها قصة درامية في واجهة الاخبار العالمية أعادت ترويج الحضارة المصرية من جديد، وربما كانت مناسبة للتذكير بهيبة الدولة المصرية الراهنة، وما كان لها من التراث الحربي والملوك المحاربين، ما يعيد شد انتباه العالم، ولو بعد آلاف السنين.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد