قبل عقود أطلق يساريون عرب، وبالتحديد من بين أولئك الذين نشأوا على أدبيات المقاومة، وبالتزامن مع موجة من الأدبيات الغربية مفهوم "الدولة العازلة" لوصف وظيفة الدولة الأردنية ودورها في الصراع العربي الإسرائيلي، مع ان هذا الوصف غير دقيق ولم يتحقق بمقارنة الجبهة الأردنية مع جبهات اخرى عازلة وصامتة.
وبعد عقود عديدة أصبحت فيها الدولة أكثر رسوخاً واستقرارا فإن سلوك الحكومات الأردنية وبعض النخب التي تناور في حماها تارة وخارج ساحاتها تارة اخرى تأبى إلا ان ترسخ مفهوم "دولة الطوارئ" وهي الدولة ذات الحساسية المفرطة لشؤون الإقليم المحيط بها، وتنحو دائماً لتحديد اولوياتها الداخلية ليس بما تفضي اليه شروطها الوطنية بل شروط الآخرين وصراعاتهم.
لقد تم تعطيل حق البلاد في الإصلاح السياسي والتنمية الحقيقية المستقلة بحجة حالة الطوارئ التاريخية التي لم تتوقف، حتى كدنا نصدق ان الإصلاح السياسي والديمقراطية في الأردن ليس شأناً محلياً أو سجالا قانونيا وتشريعيا أو حتى صراع تيارات سياسية محلية، بل شأن خارجي لا يمكن ان يتحقق بشروط محلية مستقلة، وبعد مسلسل تأجيل الاستحقاقات الديمقراطية والانتخابية خلال عهود حكومات سابقة يعود الحديث اليوم بقوة عن نية مبيتة لتأجيل الانتخابات النيابية القادمة.
صحيح ان الحياة السياسية في البلاد غير ناضجة وهناك دعوات غير أصيلة تتسرب باسم الإصلاح السياسي، وثمة وكلاء لأجندات خارجية، وثمة مصالح صغيرة وبائسة لجهات اخرى، لكن كل هذه البيئة هي في الأصل نتاج تقاليد من الإرباك مارستها سلطات محلية أنبتت هذا النبات، وحسب الوصف الشهير؛ هجوم حكومي غير مدروس وغير محسوب وغير محترف ثم انسحاب مربك وغير منظم، والعهدة تلقى على ذمة الظروف الإقليمية الصعبة والدقيقة والهواجس التي لا تنتهي.
لن يدخل الأردن إلى حيز الإصلاح السياسي الحقيقي والتنمية المستقلة إلا حينما يصبح قرار الديمقراطية والإصلاح يتكيف ايجابياً مع العالم ومع المحيط والإقليم، من دون ان يصل هذا التكيف إلى مستوى من السلبية يعطل ثلث سلطات الدولة المتمثلة في تعطيل الحياة البرلمانية أو تأجيل الاستحقاق الانتخابي على خلفية هواجس خارجية.
وحينما نرجع إلى عشرات التجارب الديمقراطية في غرب العالم وشرقه نفهم مغزى مقولة الخصوصية الديمقراطية التي لا تتمثل في اجتراح الذرائع والحجج للتحايل على حقوق الناس السياسية والمدنية، بل ان التواريخ الديمقراطية تعني بوضوح وتشير إلى ان لا ديمقراطية حقيقية دون إحداث قطيعة مع ماضٍ ما، أي الحاجة إلى جراحة مؤلمة وأحيانا من دون تخدير، وهذه الخصوصية الديمقراطية ملخصها القدرة والإرادة على حسم الخيارات التاريخية والقدرة على حماية هذه الخيارات بالتمأسس القانوني قبل أي شيء آخر.
في مسألة تأجيل الاستحقاق الانتخابي ما تزال الحكومة ترفض التعليق على الأمر، بينما تحشد الحركة الإسلامية ضد سياسات النوايا الرسمية، وتنشر الصحافة الخارجية هواجس تنسب لسلطات محلية تعبر عن خشيتها من ازدياد نفوذ حركة حماس في داخل الحركة الإسلامية الأردنية، بينما تتربع الحركة الأولى على رأس السلطة السياسية التنفيذية في بلد تحت الاحتلال ويواجه احتمالات صراعات داخلية يحتمل ان تمتد إلى الخارج.
في ضوء هذا الكابوس المزعج يقتضي واجب الأشقاء والمصالح ان يعمل الأردن على استخدام كل الوسائل لصيانة الوحدة الوطنية الفلسطينية على الأرض الفلسطينية، من دون ان يستدعي ذلك تضخيم هذا الأمر على الساحة الأردنية وتصويرها بهذه الهشاشة ما يخدم مصالح جهات بعينها اعتادت الاستفادة من أسلوب الهجوم غير المحترف الذي تمارسه الحكومات عادة؛ المصلحة الوطنية الأردنية تنتظر اليوم أكثر من أي وقت سبق منذ عقود إصلاحات حقيقية وبعضها مؤلمة وتحتاج إلى جراحة حقيقية.
لقد حان الوقت لإحداث قطيعة مع حالة الطوارئ التاريخية، فللحركة الإسلامية وغيرها من التيارات الأردنية الحق بالإسهام في بناء هذه الدولة في السلطة أو المعارضة ما دامت تلتزم بتقاليد هذه الدولة. وللأردنيين اليوم أكثر من أي وقت سبق الحق في الحرص على إنضاج تقاليد ديمقراطية تحمي هذه الدولة، ولو تطلب ذلك تعديلات دستورية وميثاقا جديدا، المسألة بوضوح الحاجة الملحة للخروج من ثقافة العبور والطوارئ.
basimtwissi@hotmail.com
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد