التاريخ لا يعود الى الخلف الا تحت وطأة التخلف واستمراء حادثة السذاجة الاجتماعية، ولوي عنق الحقيقة، وتسويق الأفكار التي قضمها الزمن منذ أمد بعيد. والتاريخ حينما يتململ من سباته القسري بفعل الوعي والفهم لحركته، فانه ينهض هو الآخر كي يحمل الشعار، ويهتف مع الشعب الذي يريد اسقاط النظام.
والتاريخ الذي ظلّ يرى بأم عينيه الواعيتين تسلط القادة والحكام على الشعوب المقهورة تاريخياً، استطاع أخيراً أن يتصل بعقلية الجماهير، وهو يمنحها بوصلة النهوض وتفجير الرفض لكل هذا الخنوع الجماهيري العربي الذي امتد طوال قرون...
ان الزمن الذي تعبأ بوعي حضارة الاتصال والتواصل والثورة الجامحة للصورة، استطاع أن يقود المواطن الأرضي إلى مشهده السياسي والثوري الآني، وبالتالي فإن ذاكرة عمياء بلا صورة امتدت لقرون طويلة، صارت من التركات الرثة والماضية.
نعم ما عادت للأنظمة الديكتاتورية تمتلك تلك القدرة الجهنمية على اخفاء المعتقلين في أقبيتها الرطبة والمعتمة، وما عاد بإمكان النظام أن يتستر على مقابر جماعية تم مواراة جثامينها على عجل، وما عادت الأنظمة التي تحكم بالحديد والنار قادرة على صياغة بيان وزارة الداخلية المكتظ بالجمل الانشائية السمينة، وتلك التحذيرات ذات الطعم الدركي العثماني الموجع والجارح لحقوق المواطنة.
نعم صار النظام الديكتاتوري يظهر ببشاعته الكاملة في مشهد الكاميرا العالمية، وصار يمكن للشعب المقهور أن يرى ضحاياه الشهداء، وصار يمكن لجهات حقوقية أن تتدخل وتقوم بتثوير كل الجهات الحقوقية في العالم ضد الطغيان الاجرامي وتداعياته القاتلة.
وصار يمكن للشعوب حينما تنهض أن تعطي أوامرها للمتظاهرين بحمل الاعلام، وكتابة تلك الكلمة التي تدمر الطاغية بـ «ارحل»، وصارت هذه العبارة تكتب على وجوه الأطفال والنساء والعجائز وعلى أذرع الشباب. وصار يمكن أن تتجه بوصلة الجماهير بالزحف نحو القصر الرئاسي لتحطيم تلك العزلة العاجية للزعيم الطاغية.
نعم صار يمكن إلقاء القبض على الزعيم الذي حول الوطن، الى مزرعة له ولزوجته وللابناء والاقارب ونزع شرعيته وأمواله التي انتزعها من دم شعبه بالحرام.
نعم صار يمكن للشعوب العربية تحديداً أن تمتلك تلك القامة الجبارة التي تجعلنا نقرأ في مذكرة التوقيف الدولية الاسم الرباعي للطاغية .وهذا يكفي.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور