ينتاب المرء حيرة حول الطريقة التي تنظر من خلالها مؤسسات رسمية وأهلية لبعض الظواهر الاجتماعية والثقافية المحلية، والتي تبدو للوهلة الأولى نظرة بعيدة عن الواقع، بل وتزيف هذا الواقع أحيانا، وكأنها نظرة استشراقية تتطلع من بعيد إلى مجتمع غريب غارق في طفولة اجتماعية مبكرة، وهي نظرة تجعل هذا المجتمع مرة موضوعا فلكلوريا مبسطا، ومرة تجتر مشكلات اجتماعية نالها سلسلة من التحولات، وتقدمها على أساس انها ظواهر تكبل المجتمع وتحتل سلم اولوياته، وتبتعد عن هموم ومشاكله الحقيقية.
هذه الوقائع تدعو نحو التساؤل عن الخلفيات التي تدفع مؤسسات أهلية إلى بناء أجندة اجتماعية وثقافية مغايرة للواقع، وتفرضها أحيانا على مؤسسات رسمية، وفي مقدمتها وسائل الإعلام، التي تمارس الدور الحاسم في بناء تصورات الناس واتجاهاتهم.
أخر مثال على هذه الحالة الترويج لظاهرة الزواج المبكر في المجتمع الأردني على انها ظاهرة مستشرية تبتلع الفتيات الأردنيات ولا تفلت منها إلا طويلة العمر، ووضعها على سلم الاولويات وتصويرها كابوسا يهدد الجميع، حتى ان التلفزيون قدم مشاهد مرعبة تقشعر لها الضمائر والأبدان. وفي البال قصة الفتاة التي اخترعت حكاية حول قضايا الشرف في الأردن، وادعت انها حادثة واقعية، ونشرتها على شكل رواية من قبل إحدى دور النشر الاسترالية، وباعت منها مئات الآلاف من النسخ قبل ان تكشف حقيقتها.
لا يوجد في الأردن زواج مبكر، في هذا الوقت، لا في البادية ولا في الأرياف أو المدن، وان وجدت حالات فردية متناثرة فهي لا تشكل ظاهرة اجتماعية مؤرقة تستدعي كل هذا الضجيج، مقارنة بمشاكل اجتماعية اخرى يسود الصمت حولها، ولا يعود هذا الواقع بأكمله إلى حدوث تغير اجتماعي وثقافي في قيم المجتمع، بل بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي أخذت بالتفاقم منذ منتصف الثمانينيات، والمشكلة الحقيقية في هذا الشأن تتمثل في ارتفاع سن الزواج للشباب والفتيات معا، بفعل هذه الظروف، الأمر الذي يجعل من العنوسة لدى الجنسين ظاهرة تهدد قيم الأسرة الأردنية.
ليس من المعقول بناء أجندة غير واقعية عن أحوال المجتمع ومشكلاته، وجذب الأنظار بعيدا عن مشاكل حقيقية، وبالتحديد في المحافظات حيث الفقر والبطالة وتردي نوعية الحياة، يتم ذلك في النهار الجهار بدون الارتكاز لأرقام علمية ودراسات على الأرض. فحينما سألت مقدمة احد البرامج التلفزيونية مسؤولاً في احدى المؤسسات الأهلية هل لديكم دراسات في هذا المجال: اكتفى بالإشارة إلى ما وصلهم من شكاوى، وهذا كلام غير معقول، ولا يبرر ان تقدم تلك المؤسسة أو غيرها على تنفيذ حملات ترويجية، وان تقوم بتشغيل سيارات تدور في عمان والمحافظات وتنادي بمكبرات الصوت لا للزواج المبكر.
نريد ان تعلن دائرة الإحصاءات العامة والمحاكم الشرعية وجمعية العفاف، وهي جهات لها مصداقيتها عن معدل سن الزواج في الأردن، وهو بالمناسبة تجاوز بالنسبة للفتيات 26 سنة، ونريد ممن يتصدون لهذه المشاكل عدم الاكتفاء بتقمص دور المستشرقين، والإطلاع على عشرات الدراسات والتقارير العلمية الحديثة، والتي تناولت هذه الظواهر في المحافظات، ومنها مسوحات ودراسات نفذتها جامعة الحسين في محافظة معان، ومسح اجتماعي شامل من المتوقع نفذته جامعة آل البيت هذا العام في محافظة المفرق.
إذا كانت هذه الحملات تسعى إلى تحقيق مكسب قانوني برفع سن الزواج من 16الى 18، فليذهبوا إلى ذلك، فلن يجدوا معارضة حقيقية من القواعد الاجتماعية، فهي غير معنية بذلك.
أيها السادة؛ الناس في بلادنا يزوجون أبناءهم على دفعات وبالأقساط وفي سن اليأس.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد