لا يوجد مبرر منطقي يجعل الجهات الرسمية من وزارة الصحة ووزارة البيئة ومحافظة العقبة وغيرها تنتظر لمدة ثلاثة شهور حتى تكلف خاطرها وتلتفت إلى وباء بيئي سجل حوالي (100) إصابة في بلدة القويرة الجنوبية، ولا يوجد أوضح من هذه الحالة نموذجا لتراجع الحس بالمسؤولية الذي جعل عدة جهات تتهرب من مسؤوليتها في مواجهة هذه المشكلة الوبائية وعدم الاعتراف بها، إلا بعد ان قام الناس هناك بممارسة حقهم الطبيعي بالتعبير الحضاري عن رفضهم لصمت دوائر عمان والعقبة، وذلك بالاحتجاج السلمي والاعتصام وإضراب الطلبة عن مدارسهم.
بدأت قصة ذباب وفئران وجرذان القويرة منذ عدة سنوات، حينما أقدمت شركات تصنيع اللحوم المطحونة والتي تقوم باستيراد الأغنام والأبقار عبر الميناء بإنشاء حظائر تستوعب عشرات الآلاف من الرؤوس يتم تسمينها هناك، وفي الوقت الذي يبدو فيه ان رقابة وزارة البيئة لا تتجاوز سيل الزرقاء تفاقمت مشكلة بيئية بسبب مخلفات هذه الحيوانات، إضافة إلى تراكم هائل لبقاياها، فالحقيقة واضحة في الوقائع ولا تحتاج كل هذا التنظير ولا تحتاج انتظار كل هذا الوقت حتى تنتشر اللشمانيا وتصيب أكثر من مائة طفل، وهي حالة وبائية بالمعنى الحقيقي في بلدة بهذا الحجم. فالمسافرون من جميع أنحاء المملكة باتجاه العقبة عبر القويرة يدركون جيدا العلامة الفارقة لقربهم من حدود البلدة التي تستقبلهم بفيض الروائح الكريهة، وهو أيضا أمر يتكرر في حظائر من نوع آخر في بلدة القطرانة على الطريق الصحراوي، حيث لا يملك المسافرون إلا الدعاء بالعون لسكان هذه البلدات على تحمل هذه الأوضاع.
الخطاب الرسمي يعلل المشكلة بتطييب الخواطر ويدعي ان (ذبابة الرمل) الناقل الرسمي الوحيد للشمانيا توجد في 75% من الأراضي الأردنية، ما يعني انها أصبحت بمثابة حشرة وطنية تنافس ذبابة الأغوار الشهيرة التي عجزت منذ عقود حكومات وجامعات عن مكافحتها، حتى في زمن البحر الميت ودافوس وأناقة السياحة الجديدة، وهو الأمر الذي يجعل من سؤال بلدة القويرة أكثر حرجا، ألا يوجد في الأردن أكثر من 400 بلدة وقرية وتجمع يشبه حاله حال القويرة ولم تتشرف ذبابة الرمل بزيارة أي منها.
المشكلة المتكررة دائما يعكسها التفريط في صدقية الخطاب الرسمي، وعدم جرأته على الاعتراف بالخلل لعدم وجود أنظمة رقابة داخلية تسهل عملية التصحيح الذاتي. فحينما تواجه وزارة أو مؤسسة مشكلة أو أزمة طارئة تتهرب وتختلق مائة ذريعة وذريعة، وكأن الاعتراف بالواقع يعني انهيارها.
أصبحت حبكة التقارير والدراسات لا تنطلي على احد، وكالعادة لدينا تقارير ودراسات تثبت انه لا يوجد ضرر من مزارع موردي الحيوانات التي تحاصر البلدة، بينما تثبت التجارب والمصائب كل يوم في التنمية ومشاريعها والعقارات والأبراج والاتصالات والاستثمار هشاشة الدراسات والتقارير على طريقتنا المحلية.
بعد ثلاثة شهور من المعاناة وصل الفريق الطبي وحظي أطفال وأولاد المدارس في القويرة بعلب الدهون، وحظيت القويرة بتصريح إعلامي رسمي، ومع ازدياد قسوة برد الصحراء الأردنية من المتوقع ان يتراجع نشاط هذه الحشرة الناقلة للوباء، وسيعود الأولاد إلى مدارسهم، ويتراجع الاهتمام الرسمي وتعود الكوادر الطبية للانشغال بمجابهة مرض الإيدز وربما في قرى الهند دعما لمنظمة الصحة العالمية!
الحقيقة ان هناك مشكلة وبائية تحتاج الاعتراف بها، وهناك مشكلة بيئية في هذه المنطقة تحتاج ان يكلف فريق مستقل من الخدمات الطبية الملكية لتحديد أسباب هذه المشكلة ومصادرها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد