سنكون بحاجة الى أكثر من عام كي يتكشف الواقع العربي السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، عن حجم المتغيرات في هذا الثالوث البنائي الذي يصيغ حياتنا بشكل عام، وستتحول العديد من القيم التي تجذرت في واقعنا منذ سنوات طوال، الى قيم جديدة ومتغيرة، ويكون ذلك بسبب الثورات التي انتشرت كالفطر في غير عاصمة عربية. وبدأت بارساء قيمها الجديدة.
فعلى سبيل المثال سوف يدرك المواطن قيمة مواطنته ومستواها الحضاري، لأن المواطنة العربية بدأت بصياغة نفسها من جديد، حيث سيكون للمواطن كل الحق في أن يطرح نفسه كشريك حقيقي في كيان الدولة، وعلى الأغلب سوف يكف النظام العربي عن معاملة مواطنيه باعتبارهم دهماء لا يعالجون الا بالقمع والقتل والضرب والغاز المسيل للدموع، وسوف تكون هناك جهات مدنية تمنع اعتقال المواطنين والزج بهم في الأقبية المُعتمة والرطبة، وتفضح كل قمع أو اخفاء كما جرت العادة الاعتقالية عند النظام العربي.
وعلى الأغلب أن الاعلام العربي الذي أدمن الانشاء والتبجيل اللغوي سوف يخف منسوب النطق فيه، وسيكون على صاحب الخطاب السياسي أن يكف عن تمجيد الماضوية العربية، هذه التي نهبت أرواحنا بقيمها التي أكل عليها الدهر وشرب، وسيكون على كل من يتعامل في الشأن العام، وفي أي خطاب أن يدخل في لب الموضوع مباشرة، وأن يتعلم في نطقه فن الاختزال، واعتماد قاعدة «هات من الآخر». فالناس الذين قدموا دمهم للوصول الى مثل هذه المرحلة الديمقراطية، لم يعودوا يطيقون سماع تلك الترهات التي تعتمد فن الخطابة واللغة السمينة التي لا تغني ولا تطعم احدا.
وعلى الأغلب سوف تنتهي مرحلة الانقلاب العسكري المفبرك، تلك المرحلة التي جعلت بعض الزعماء العرب يتأبدون في مقاعدهم القمعية، وعلى الأغلب سوف تنهض جهات نيابية تفرزها أحزاب وجهات مسؤولة، وسوف تنتهي فكرة صناديق الاقتراع الفكاهية التي تشترى بالجاه والمال.
وعلى الأغلب سوف تكون الشعوب تمتلك تلك العين المجهرية القادرة على اغتيال الفساد قبل أن يستشري وينتشر، وستكون المجتمعات العربية تمتلك قدرة مر اقبة دخل الدولة وميزانيتها.
وعلى الأغلب سوف يكون هناك تغير قسري في الاقتصاد والفن والثقافة بكافة أشكالهما.
وسيكون علينا أن نبتهج ونحن نمد أيدينا كي نمتلك حق كل هذا القطاف الحضاري الجديد.
انها بشارة الثورات وبشارة الافتداء التي لن تذهب هباء بالتأكيد.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور