ما من أمة تشدقت بهذا الكم التاريخي من الكلام مثل أمتنا العربية، لا بل يمكن القول ان الأمة العربية وحدها التي اجترحت علماً اسمته «علم الكلام». وما من أمة انتجت كل هذا الانشاء الكلامي عبر التاريخ مثل أمتنا العربية.

فنحن أول الشعوب قاطبة من تعاملت مع اللغة باعتبارها وسيلة مقدسة للتعبير، وأن نحونا المتولد من المدرسة الكوفية والمدرسة البصرية هي أصل اللذة الجماعية في النطق والتعبير. وعليه فقد قمنا بالرحيل من مضارعنا الحياتي بكل تفاصيله الواقعية الموجعة، وذهبنا كي نقيم في اللغة ونحتلها، ولنتحول من حالة الجهة التي تبث النطق، الى الجهة التي تتمتع بلذة النطق والاسماع.

ونحن من نعتقد جازمين ان النطق بالفكرة الجديدة التي هي على الأغلب تقع في مساحة الارشاد والتوجيه والواجبية السمجة، يمكن أن يعفينا من متابعة تحقيق الفكرة واقعياً، واننا وحينما نقوم بتحبير الفكرة وكتابتها نكون في حل من متابعة تحقيقها واقعياً، لأن الأصل.

ولهذا السبب فاننا الأمة الوحيدة التي استطاعت أن تراكم كل هذا الركام الهائل لغوياً عبر تاريخها القديم والحديث، ونحن ايضاً الأمة الوحيدة التي أبدت كل هذا الاهتمام برشاقة الجملة المنطوقة وزخرفتها وتسمينها بثقل النطق وبلاغة الانشاء.

والطريف أن لغتنا التي تقاعست تاريخياً عن حل المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية المزمنة تاريخيا التي ظلت تعاني منا الشعوب العربية عبر قرون طوال، ما زالت قادرة على اعادت انتاج الخطاب ذاته الذي لم يغادر حبره بالاصل، بل بقي نائماً بانتظار المفصل التاريخي القادر على اعادة تخليقه وصياغته من جديد لكن باللغة المقعرة ذاتها.

والحال ليس من الغريب أن نختص نحن كعرب في التركيز على فن انتهت منه الشعوب الفاعلة منذ أمد بعيد، وهو ما يُسمى ب «فن الخطابة». فالشعوب انتقلت منذ أمد بعيد من لغة التوصيف الى لغة المعاينة العلمية والسعي باتجاه العمل الفيزيائي الواضح تجاه مشاكلها.

ان المطارح التي نتنقل فيها عبر خطابنا السياسي والاجتماعي عموماً، هي مطارح متشابهة، استطاعت بالفعل أن تخلف كل هذا الركام الكلامي، وأن تجعلنا نحدق بعين مُستلبة وموحشة في قدرة الشعوب التي حققت منجزاتها الحضارية عبر لغة الاختزال. وبلغة لا تمتلك كل هذه الحراشف الثقيلة التي تعيق أي تطور يمكن أن نحلم به.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور