كانت سيدة مكتملة القامة والنمو والعمر تقف على الرصيف وهي تحاول أن تعبر الشارع، وقد لاحظت انها تتطلع الى كل من يمر بجانبها بنوع من الارتباك المبالغ فيه ، حيث بدت كأنها تعبر الشارع لأول مرّة.

أثارني ارتباكها وكان عليّ أن أسأل نفسي عن سر هذا الارتباك الذي تعاني منه المرأة العربية عموماً. وعن سبب رعبها من الأماكن المزدحمة، وحذرها الشديد، وأنا أعرف أن هناك نسوة لا يشعرنك بمثل هذا الارتباك، لكن الغالبية الشديدة منهن يصبن بمثل هذا الارتباك.

فأنت حينما تحتاج لطرق باب جارك «جرسياً» يصاب سكان البيت كلهم بالهلع، ذلك لأن لكل واحد من أفراد العائلة توقيتا لطرق الباب، ومن هنا يبدأ الهمس داخل البيت والسؤال عمن يكون الطارق في مثل هذا الوقت، الأن الإجابة مطلسمة تتبرع الأم بجعل أي ولد من أولادها لتجعله يفتح الباب، وتكون بهذا المسلك قد أبعدت بنت البيت عن المغامرة في التحدث مع أي غريب.

وأنت حينما تجلس في الحافلة وترى الطالبة الجامعية التي صعدت الى الحافلة للتو، تشعرك انها مرتبكة ومتعرقة بسبب عدم وجود مقعد، وهنا تقع هذه الفتاة بين احتمالين، الأول هو ان تجلس بجانب فتاة بغض النظر عن المساحة المتاحة لها في الجلوس، أو أن تتبارى النخوة الذكورية بأن يتخلى أحدهم للفتاة ويجلسها مكانه.

وحينما تذهب الى أي مكان ثقافي وتجد المرأة تجلس على مكتبها، فإنك تظل طوال جلستك تبدو معتذراً عن هذه الزيارة، وتظل تتمنى أن يأتي أي طرف ثالث كي يفك لجام هذا الارتباك، كي ينقذ هذه السيدة من ارباكها..

والكارثة الحقيقية هي أن تقف أمام المصعد، ذلك أنك حينما تدخل المصعد وترى الانثى وحيدة داخله فإنك -على الأغلب- سترتبك لأنك لن تضمن إن أنت ألقيت عليها السلام في وحشة فراغ المصعد أن ترد عليك السلام أو لا ترد.

حينها ستسحب الفكرة وتحاول أن تبدو بريئاً ومنزوع الذكورة وأنت تحدق في ارتباكها الطافح.

أسئلة كثيرة أيقظتها تلك المرأة التي أرادت عبور الشارع، واجابة واحدة هي أن المرأة العربية تعرضت الى ما يُشبه «غسيل الدماغ» الذي جعلها تعتقد أنه ينظر اليها باعتبارها فريسة.

وتلكم هي الكارثة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور