حضارتنا القائمة تعمل وبشكل جدي ومريع على الاختزال الرقمي، بحيث يمكن العمل على اختصار اللغة بمجملها وبشكل تدريجي الى رموز بسيطة وخالية من تلك السُمنة اللغوية، وقبل زمن طويل كنّا نتفكه أنا والأصدقاء على تصور لو أن الدولة العثمانية ظلت قائمة، وكنّا نتصور على اثر ذلك طبيعة ونوع تذكرة الطيران، وكنّا نضحك كثيراً ونحن نتوقع أن حجم التذكرة سيكون بحجم كتاب من القطع المتوسط، و تكون تذكرة الطيران مليئة بالشروح المُضجرة، وبالارشادات اللغوية ذات الانشاء الرصين. وفي السياق ذاته كان كل ما يخص الدولة العربية الناشئة على اثر غياب ظل الرجل المريض، يبدو سمينا ومتورماً باللغة. ويكفي أن نتذكر شكل جواز السفر بغلافه الكتاني ولونه الأسود القاتم الذي كان يشعرنا أنه من احد أفراد البيت، ولم نكن نتوقع على الاطلاق ان كل هذه البيانات سوف تختصر لاحقاً في الرقم الوطني، والذي ما أن تلقمه لجهاز الكمبيوتر حتى يعطيك كل التفاصيل المملة عن الشخص.

وحين نفكر جدياً في الارقام التي تختصر وجودنا سنكتشف ان الشارع الذي نسكنه يحمل اسماً ورقماً، والبناية التي نسكنها تحمل رقماً، وربما الشقة التي نقطنها لها رقمها أيضا. والأمر لا يتوقف عند هذا الحد، ذلك أن لكل واحد من رقمه الخاص يالتأمين الصحي، ورقمه الخاص بالضمان الاجتماعي، ورقمه البنكي الخاص أيضاً، ورقم بطاقة الصرف الآلي، ورخصة قيادة السيارة لها رقمها أيضاً، وحتى المواليد الذين تقذفهم امهاتهم في المستشفيات سرعان ما يأخذ الواحد منهم رقماً وامعاناً في الترقيم فأنت وحينما تدخل الى مؤسسة مكتظة بالمراجعين فانك تقف أمام آلة تطالبك بأن تضغط على نابضها كي تمنحك الرقم الذي يعفيك من الوقوف في طابور انتظار معاملتك كي تتحول بعد ذلك الى رقم.

وفي هذا السياق كثيراً ما أتذكر قصة قصيرة لكاتب غربي تتحدث عن رجل يتحلى بذاكرة رقمية مذهلة، ولأنه تقاعد عن العمل وبدأ يشعر بالضجر فقد قرر ان يقوم بخدمة مجانية في محطات القطارات السريعة كي يرشد المسافرين عن وقت وصول القطارات وانطلاقها بالثانية والدقيقة، وقد عاش هذه المتعة طويلاً لكن المفاجأة كانت حين ذهب الى محطة القطارات ووجد لوحات إلكترونية تظهر ارقاماً تدلل على اوقات جميع القطارات. وهنا انسحب الرجل من محطة القطارات ولكنه لم ييأس من موهبته الرقمية فبدأ العمل على صعود وهبوط كل أدراج المدينة وصار يتمتع بمعرفة عدد درجات كل درج في المدينة.

انها حضارة الترقيم التي لا تخلو من الفكاهة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور