لكل ميتة طعمها الخاص، وكانت أول قائمة موتاي، الميتة الأولى لأمي التي وصلني خبر وفاتها بعد مرور أكثر من عشرين يوماً على وفاتها فكان عليّ يومها أن أهيم في شوارع أبو ظبي تائها أتذوق طعم فقدان المرأة التي حملت بي لمدة تسعة شهور تاركة مشيمتها تغدق عليّ جينات خلقها، وتغذي روحي بالرؤى المبكرة.
وفي الميتة الثانية كان لطعم وفاة ابنتي رولا مذاقه الصخري المشظى في الفم، الذي جرح بلعومي وجعلني أقف أمام عمري مرتبكاً، سائلاً نفسي كيف يمكن للأب أن يعيش بقية حياته وقد ودع صبية في عمر الورد. وكيف يمكن لدم الحياة أن يتدفق في وريدي بعد فقدان تلك الاطالة، وكيف يمكن أن أوضح لطفلتها صبا فكرة فقدان الأم بشكل أبدي.
أما الميتة الثالثة فكانت يوم كنت أجلس بجانب رأس والدي وهو في نزاعه الأخير وأنا أتابع بؤبؤ عينيه وهو يحدق في سقف الغرفة، وحينما انسحبت الى الشرفة حضر شقيقي وهمس «لقد مات أبونا»، وأذكر اني تعاملت مع الموضوع ببرود، لكن وحينما حضرت سيارة الدفاع المدني، ورأيته مسجى فوق المحفة، وجدت نفسي أعود الى طفولتي وأطلق بكاء طفولياً، يُشبه تماماً نشيجي حينما كان والدي يتركني ويخرج من البيت.
ويوم الخميس الماضي كنت قلقاً على شقيقي فؤاد الذي كان يرقد في مدينة الحسين الطبية بسبب مرض اللوكيميا الذي دهمه فجأة بعد عودته من اداء العمرة. وقد كنت الاحظ خلال زياراتي له في المستشفى، ان ثمة رعباً يخلق جفلة غامضة في ملامحه فتراه يبذل جهداً كي يبدو طبيعياً في الحوار، فهو على ثقافته المتواضعة كان يدرك أن مرضه خطير جداً وانه يجعل الموت يزور الغرف المجاورة له بشكل يومي ويجعل الأسرّة حوله تفرغ بشكل يومي.
اتصلت بهاتفه فرد عليّ ابنه محمد وأخبرني أن شقيقي فؤاد في حالة سيئة، أغلقت الهاتف وسمعت ما يُشبه الهمس الوجداني أن فؤاد قد مات، وبعد لحظة اتصل بي أبنه محمد فقلت له بسرعة هل تود أن تقول لي: إن أخي أعطاني عمره فقال نعم.
أذكر أني نهضت من مكاني وجلست على الكنبة وحيداً وأخذت أبكي وأنا أشعر أني أسترد بكاء طفولياً ،لعله بكائي وأنا أركض خلفه صغيراً كي يأخذني الى دهشة السوق ومشاهدة والدي وسط دكانه.
انه المذاق المر لفقدان الشقيق الذي يجعلك تنتظر لوقت طويل حتى تصدق بالفعل انه مات.
لك الرحمة أيها الشقيق وأنت تسقط كحبة نادرة البراءة والجمال من حبات مسبحة العائلة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور