في الوقت الذي كان فيه العقيد معمر القذافي يلعب الشطرنج، ونقلت كل وكالات الانباء المتلفزة صورته بالنظارة السوداء بالطبع، وهو يحرك البيادق، كانت عدة مدن ليبية تقصف بصواريخ جراد وبشتى انواع القنابل المحرمة دولياً.
وأعترف بأن الرجل قد أغاظني وأغاظ العالم وهو يجلس تلك الجلسة في مخبئه السري، البعيد بالطبع عن أهداف طائرات النيتو. وأعترف أيضاً انّ نظارته السوداء والتي يفترض انها شمسية، ولا داعي لاستعمالها في غرفة مضاءة، قد جعلتني أذهب في حالة تأملية لشخصية الدكتاتور التي تعمل على اخفاء العينين خوفاً من فضيحة القراءة التي ربما تكشف لأي واحد يجالسه حالة الرعب الجوانية التي يعيشها.
القذافي صار بارعاً في انتاج المشاهد التلفزيونية وهو تارة يظهر من مكان قصف بيته، أو من فوق أطلال قلعة تاريخية، أو من خلال سيارة مضببة بالعتمة وهو يباغت جمهوره الطرابلسي.
وأخيراً صار القذافي يخاف من الظهور العلني مع تزايد ضربات قوات حلف النيتو، وأخذ يكتفي بخطاب مسجل يبث من مايكرفونات فلكية، وصارت خطاباته تتسم باللهاث والسرعة بالنطق، وذلك على غير عادته حين كانت ثورة الشعب الليبي مقهورة، حيث كان يتمتع بالتأتأة والتمهل في النطق على اعتبار انه القائد الملهم صاحب الخطاب المقدس.
نعم وبعد الانتصارات المتلاحقة للثوار، وبعد تحرير الثوار العديد من المدن الليبية صارت خطاباته سريعة، وايقاع صوته لا يخلو من طعم الاستغاثة.
وفي خطابه المسجل الذي القاه في الساحة الخضراء في طرابلس، كان يذكرنا بالخطابات الانشائية التي كان يتبارى في صياغتها النارية بعض الزعماء العرب قبل نكسة حزيران، وخصوصاً وهو يطالب جماهيره المتواضعة بالزحف.
ومن يقلب أحوال العقيد القذافي ومشهديته المتقلبة عند كل مفصل يشعر بالاستهجان من شخصية مثل شخصية القذافي امتلكت كل هذا البطش وكل هذه الدكتاتورية لما يزيد على أربعين عاماً، دون أن يجرؤ أحد بالتفكير الجدي بعرضه على طبيب نفسي.
والحال انّ المطلوب من القذافي وقبل التنحي المعلن، أن يقاد الى مستشفى الأمراض النفسية، والمطلوب أن تتداعى شخصيات طبية وعلمية لدراسة الخارطة الروحية والعقلية لرجل استطاع أن يضحك على ذقن العالم طوال هذه السنوات.
والمطلوب أيضاً أن تدرس شخصية الدكتاتور الكامنة في القذافي، وتكون دليلاً للشعوب كي تتعرف هذه الشعوب على ملامح كل دكتاتور قبل أن يقع الفأس في الرأس ويصير حاكماً.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور