الرجل الوقور جداً الذي كان يشاركني الاقامة في شقة في طابق يحمل الرقم»11»، جلس قبالتي على الكنبة، وهو يقول لي هذه أول مرّة انام في شقة ترتفع عن الارض الى مثل هذا الحد. كان هذا يومنا الاول في الشقة، وكان عليّ ان أهون عليه الأمر ،ذلك اني كنت امتلك الخبرة في الاقامة في الطوابق العليا والشاهقة.

أذكر ليلتها اننا غفونا كل واحد فوق سريره، ولكن في الساعة الثانية ليلاً رأيت الرجل ينهض من نومه مفزوعاً وهو يستغيث ويطلب رحمة رب العالمين، كان يبدو أمامي وهو يتنطنط رعباً في وسط الغرفة كصبي صغير. وعندما هدأ أخذ يشرح لي كيف أن رجالاً بلا ملامح كانوا يحاولون رميه من الطابق الحادي عشر.

يومها جلست متأملاً في الاحلام التي ما أن نضع رأسنا على الوسادة ويسرقنا النوم، حتى تدهمنا باشكالها وصورها المرعبة، دون أن تأخذ في الاعتبار المرحلة العمرية التي وصلنا اليها.

وهذا ما يجعلني دائماً أتفكه، وحتى يومي هذا من الاحلام التي لا تراعي وقارنا العمري، أو المرتبة الاجتماعية التي وصلنا اليها بشق الأنفس، فأنا على أعتاب عمري الستيني، ما زلت أحلم أحلاماً مروعة، كأن أسير في جنازة لشخص لا أعرفه وفجأة أراه ينهض من بين المشيعين لجثمانه، ويبدأ بالركض خلفي، أو اجد نفسي أقع في حفرة لا قاع لها، أو أدخل الى مصعد، لأكتشف اني في بناية مائلة، وبالتالي يصبح الصعود مائلاً وهذ يضعني في وضع كابوسي لا أحسد عليه.

ان فكرة الاحلام الوردية غادرتنا منذ أمد بعيد، وصرنا عرضة لاحلام لا تتناسب على الاطلاق مع وضعنا العمري وقيمتنا الاجتماعية. اذ لا يعقل ان يغفو الواحد منا وهو بكامل عافيته الثقافية والحضارية، على فراشه النظيف، وحينما يغفو يجد مجموعة من البلطجية يحاصرونه في مكان ضيق ويقبلون على ضربه حد الخنق.

وانا لا زلت أتذكر كيف أن أحد كتاب القصة في السبعينيات قال في اهداء مجموعته القصصية « الى صديقي الذي يحلم بغرفة صغيرة وفراش نظيف»، ولا زلت أتذكر كيف ضحكنا من مثل هذا الاهداء. لكني أقول الآن انه اهداء بمنتهى العمق لاننا جميعاً وفي هذا العمر نحلم بغرفة صغيرة وفراش نظيف، من الكوابيس والاحلام الصبيانية الرديئة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور