تحدق في وجه المسؤول الذي قادتك الصدفة وحدها للجلوس معه، وتصاب بالدهشة وانت ترى مثل هذا النوع من المسؤولين مرئياً الى هذا الحد. ذلك ان مثل هذا الوضوح في المشاهدة، يمنحك القدرة على التحديق بصاحب هذا المنصب وبالبحث عن الامكانيات الذاتية التي تخصه، والتي استطاعت ان تؤهله لتسلم مثل هذا المنصب. فتحاول أن تثير موضوعاً عاماً وتراقبه وهو يمنح للجالسين فرصة أن يتحدثوا قبله لتكون وجهة نظره هي وجهة النظر الحاكمة والنهائية في الموضوع الذي طرحت. تتحمل المداخلات التي تتعمد العرج رعباً أو خوفاً من تصادر أي فكرة مقبلة قد يقولها المسؤول، وفي النهايه يتنحنح المسؤول تلك النحنحة التي لا تخلو من التكبر التمهيدي لنطقه الذي سيكون حازماً، وتستمع لوجهة نظره المتلكئة والمشتتة فلا تجد جملة مفيدة أو اجرائية في الموضوع الذي طرح، وتنتبه أيضاً لصوته المحشو بالتبغ وهو يعتمد ترك فترات صمت متباعدة لنطقه كي يبدو النطق مؤثراً ومجلجلاً، وتكتشف ان ثخانة الصوت عنده وتحشرجه هو أكبر من الفكرة بكثير من الافكار التي يطرحها.

تحدق في حجم المساحة التي أحدثها الوجود الفيزيائي للمسؤول في مقعده، فتكتشف أن كل شيء فيه يبدو غليظاً وسميناً، وأنه مثل معظم المسؤولين الذين تراهم على شاشة الفضائيات، وفي المحاضرات، حيث الأوداج المنتفخة بسمنة تبدو طارئة، والأكتاف التي لا تخلو من التورم الذي يصاب به على الأغلب محدثي النعمة. وتتأكد انه لو أتيح لك الآن أن تحصل لصاحب هذه الجلسة المتورمة وهو في الصف الثالث اعدادي "ب"، فسترى فتى نحيلاً تجوز عليه الصدقة الغذائية.

تحدق في الحركات المتتالية التي يفتعلها المسؤول وهو يحك صلعته أو أرنبة أنفه بدون احتياج حقيقي للحكة، أو حين يقوم بخلع نظارتيه ومن ثم معاودة وضعها فوق أنفه بنوع من التقزز المفتعل، أو حين يضع يده على أذنه على شكل سماعة بدائية كي يسمعك بشكل جيد. تحاول جاهداً أن تبحث عن الموهبة التي أوصلته الى مثل هذا المنصب، تبحث عن المهارات الخفية التي دفعته الى الصف الاول فلا تجد. وحينها تعتذر من الجالسين وتذهب الى بيتك وأنت ترتب سؤالاً كيميائياً بحجم الأفق عن الصنّاع الغامضين لمثل هذا النوع من المسؤولين.

وتظل بلا اجابة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور