كلما سمعت عن مهرجان تنظمه جهات أصيلة للمأكولات والأطعمة التراثية أحس بسخرية سوداء ومريرة، لا لشيء سوى أن هذه الأطعمة التراثية، تكشف لنا مدى ابتعادنا عن «طبيخ» أمهاتنا، هذا»الطبيخ» الذي عاشت على خيره أجيال عديدة، كما تكشف لنا عن تغربنا الطعامي عن ارث هو من ابتكار امهاتنا.

وما زلت أذكر «دلعنا» كمغتربين في «أبو ظبي» ونحن نستذكر أطعمة غابت عن ذاكرتنا تماماً، ونبدأ بالاتصال بأمهاتنا كي يرسلن لنا البرغل والعدس والزعتر والجبنة النابلسية والمسخن الطازج ان أمكن، وقد كانت أمهاتنا يفرحن للأولاد الذين مازالوا يتذكرون الأطعمة التي عاشوا عليها وتمتعوا في نعيمها.

انّ المسافة الاغترابية التي قطعتها اجيالنا والاجيال الحالية ازاء الأطعمة التي كان أصلها ينبت من الأرض التي عشنا وما زلنا نعيش فوقها، قد جعلتنا نقبل على الأطعمة الغربية التي تسمى بالوجبات السريعة، تلك الوجبات التي أسميها أنا بالوجبات الاحتلالية، بسبب تلك الاسماء التي تحملها ويتم الاعلان عنها، على اعتبار انها الوجبة العالمية لكل شعوب الأرض. ومن يريد ان يتأكد من هذا القول فليذهب الى أي مطعم يقدم الوجبات السريعة، ليرى الطوابير المصطفة بكثافة بانتظار الحصول على تلك الوجبة الوهمية التي تعاني دائماً من ثقلها الورقي أو الكرتوني

أما الكارثة العظمى في اغترابنا الطعامي فهي تسويق فكرة «الكرمشة» وتلك الطقطقة التي يصدرها الفم أثناء تناول تلك الأطعمة وخصوصاً مادة «الشيبس»، فهذه المادة المعلبة والملونة ذات المواد الحافظة والمسرطنة، تحولت الى غذاء يومي لأطفالنا. غذاء وصل الى حد الأدمان.

وأنا ما زلت أذكر الأطعمة الطفولية التي عاش عليها جيلي من حلويات كالعوامة والهرايس وكرابيج حلب والكعك المغمس بالشاي، وأتحسر على تلك المواد الطبيعية جداً التي كانت تستحضر منها هذه الأطعمة.

والحال أن طبيخ الأمهات الذي كان يعتمد استراتيجية تقلب الفصول بحيث ان كل «طبخة» كانت تستمد التلذذ بها من تلك الدراية التي كانت تملكها الأمهات في a علاقة كل «طبخة» بسخونة الطقس أو ببرودته، وهذا جاء نتيجة خبرات حضارية عاشتها أمهاتنا في قرون متنوعة ومتقلبة.

بقي أن أقول بأن الغباء الطعامي الذي نعيشه هو الذي ولد بعض الامراض مثل السكري والضغط وربما السرطان. لكن ما يجعل الواحد منّا يطمئن هو أن معظم الاحياء الشعبية وحينما تسير في أزقتها ظهراً تشتم تلك «القدحة الثومية» التي تعيد للواحد منّا الأم من قبرها.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور