بخبر موتك ياصديقي الذي صفعني وصفع قهوتي وتبغي صباح البارحة أدركت أن الاصدقاء وقبل ان يصطادهم الموت يرسلون اشارات تشبه الشيفرة كي يعبرون الخاطر، فأنا أيها العزيز تذكرتك قبل عشرة أيام، وأخذت صورتك الكاملة في ذاكرتي تلح عليّ بالحضور. وكنت بعد ذلك اتساءل ان كان ورودك في الخاطر على هذا النحو هو نذير شؤم ونذير موت وفقدان ... ربما.
والغريب ياصديقي في حادثة موت الاصدقاء تنهض روح الميت كي تنفض غبار الايام عن ذاكرة كاملة لتعمل على تكثيفها وتخليقها من جديد، وها أنا أستعد لتذكر لقاءاتنا الاولى في بيت العائلة في «المفرق» واطلالتك المرحة بتلك القامة التي لم تطأها الامراض بعد، واصرارك العجيب على الانخراط في المسائل الوجودية والفكرية في مطلع سبعينيات القرن الفائت بطريقة لا تخلو من عناد البدوي في التماهي مع مفكرين وفلاسفة عرب.
أتذكرك الآن وأتذكر الروح الزاربوية التي كنت تتعامل من خلالها مع الحياة واشتراطاتها. وأتذكر حضورك المباغت الى «أبو ظبي» واقامتنا معاً في شقة واحدة، حيث كان مشهدك اليومي أمامي وأنت تدخل الشقة وتخرج منها وأنت تحمل تلك الحقيبة السوداء، يجعلني أسميك «رأسا وحقيبة» وكنت تفرح وتقهقه لهذه التسمية.
الآن أتذكر الخفة التي كنت تتعامل بها مع رزقك وعملك في صحف ابوظبي، وكان هذا يجعلني أفكر فيك على اعتبار انك تقيم اقامة طارئة في تلك المدينة، وقد تأكد ذلك حين أخبرتنا ذات مساء انك ستعود في صباح الغد الى الاردن. وعرفت لاحقاً أنك اشتريت بكل مدخراتك كتباً من عمان
|
هذا هو أنت ياصديقي وهذه هي روحك في التعامل مع الحياة والرغبة في اصطياد المشهد البسيط والعميق من الحياة والاكتفاء بذلك. وقد صمدت طويلاً أيها الحبيب امام متطلبات العائلة، كما وقفت شامخاً وأنت تتحدى تداعيات مرض السكري والاقتراب من مضاره حتى العماء، وتخلي الاصدقاء وجحودهم. لقد صمدت طويلاً أيها الحبيب، لكنك في النهاية هدّك المرض وقادك الى الموت. الآن أراك وقد استعدت عافيتك وروحك التهكمية المرحة وأنت ترفع ذراعك كي تلوح بالوداع.
فايز محمود وداعاً لك الرحمة ولنا كل هذا الشقاء الذي يزف لنا خبر وفاة الاصدقاء الواحد تلو الآخر كل صباح.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |