حقيقة لا أدري من هو صاحب فكرة اللجام الذي يوضع بين فكي الحصان أو البغل أو حتى الحمار، لكني حين دققت في الفكرة وجدت أن الانسان هو بحق من أخبث الكائنات الأرضية، لا لشيء سوى أن الحيوانات التي يوضع لها اللجام باتت تقتنع وبصورة لا تقبل الجدل ان هذا اللجام هو جزء من تكوينها وخَلقها.
لكن اللجام الأكثر وقاحة في التاريخ الانساني، هو ذاك اللجام السري الذي يحيط بروح الانسان، ويجعله يتدرب تاريخياً على عدم التململ أو النطق أو التعبير، لا بل صار هذا اللجام يتخذ تسميات يمكن القول انها تسميات فكاهية، وذلك حين بدأنا نطلق مصطلحات مثل «الأغلبية الصامتة»، والصحيح هي انها الأغلبية الملجومة تاريخياً، تلك التي تعمل وتشقى في ليل التاريخ ونهاره، لكنها وبرغم معرفتها بكل ما يحاك حولها من خطط تدميرية لكيانها تؤثر الصمت. رافعة شعار «الكف لا يلاطم المخرز»
|
انها اذن ايديولوجيا «اللجام» التي تم تطبيقها على الحيوانات التي لم تروض بعد، لتنتقل بعد ذلك الى قوى اجتماعية كاملة يتم لجمها تاريخياً تحت وطأة القمع والمصادرة.
وهذا اللجم الروحي المستبد تاريخياً لمعظم الشعوب العربية، بدأ يكشف لنا وفي زحمة الثورات العربية المتتالية في أكثر من قطر عربي، عن الرئيس والزعيم الدكتاتور، الذي شطر عقولنا بالاحصائيات والخطب الانشائية البليغة وهو في الاساس عبارة عن بلطجي ولص يقوم بتحويل خيرات الدولة الى مليارات تستقر في رقم حسابه السري في عواصم اروبية كافرة. وعليه صار على المواطن العربي الملجوم روحياً ان يمارس خرسه الثوري أمام هذه الأرقام الفلكية التي تحسب بالدولار واليورو.
ان فكرة اللجام الروحي للمواطن العربي ومنعه من النطق والتعبير وحتى الكشف عن عورة الأنظمة، عملت على تأسيسه وتجذيره قوى خائنة لا يستهان بحجمها التاريخي، ولا بحجم تراكمها التاريخي أيضاً، وهي أن شئتم مقنعة بدوائر الدراسات والاحصائيات وبالمؤتمرات التي تقام على عجل، وفي القرارات التي تظل تقيم في حبرها في الادراج.
وفكرة اللجام الروحي للشخصية العربية بدأت تتمظهر في عادات اجتماعية جديدة وهجينة، وفي مسلكيات انفصامية تحاول ان تضع الدولة وخطابها السياسي عموماً في مساحة التقديس.
لقد آن لنا أن نفكر جدياً بهرس وقضم هذا اللجام الذي كبّل أرواحنا الى هذا الحد ومنعنا عن متعة البوح والنطق.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |