تحدث في باصات النقل العام مفارقات كثيرة يصعب على المرء ان يتركها تذوب هكذا في طيات النسيان، حيث تكشف مثل هذه المفارقات عن طبيعة التكوين السايكولجي لمواطننا. فعلى سبيل المثال يصعب عليك ان تصعد حافلة كي تتخذ لجسدك المتعب مقعدا دون أن تقع في مساحة تحديقة جماعية للركاب وهم يحاولون بدافع فضول ارثي ان يعرفونك. واذا كانت المسافة طويلة نسبياً فان المواطن الذي تجلس بجانبه يجدك كصيد ثمين يحاول من خلاله الانتصار على ضجر الحافلة وطول الطريق، لذلك فهو على الأغلب سوف يبدأ ولكي يضمن»عدم وقوعه في حماقات الاصل والمنشأ وتنوع فسيفساء القاطن الاردني» بسؤال « الأخ من وين بلا زغرة». وكنت قبل ان أقيم في عمان قد اعتدت على مثل هذه الاسئلة كلما ذهبت الى دوامي في «الدستور» من اربد الى عمّان. وقد حدث ذات مرّة ان كنت في مزاج صباحي سوداوي، وحينما جاورني ذاك الرجل وبادر بطرح السؤال «الاخ من وين؟» قاطعته زاجراً «مالذي يدعوك في مثل هذا الصباح للتعرف على الدم الازرق للمواطن الاردني» وأضفت» نحن نعيش في وطن صغير ويمكن لو شرحت لك ان نجد انفسنا في حالة نسب او مصاهرة». الرجل تلقى الصفعة وظل صامتاً طوال الطريق.

وفي مرة اخرى كنت حينما دخلت الحافلة الذاهبة من عمان الى اربد، كنت أحمل مجلداً لرسوم كاريكاتورية لفنان عراقي كان قد اهاه اياني للتو،وكان ان جلست بجانب رجل مسن، وحينما رآني أقلب صفحات الكتاب، ووجد الرسوم التي تبدو صبيانية اصيب الرجل في حمى الفضول، وهو يقول لي «سؤال يا استاذ لو سمحت كيف لرجل في عمرك يقرأ كتاباً يخص الاطفال» فقلت له بعصبية واضحة «ياحاج هذا كتاب لرسومات كاركاتورية»، فرد مغتاظاً «وما هي الرسوم الكا..»وصمت لانه لم يعرف ان ينطق المفردة فحاولت ان اشرح له عن هذه الرسوم وانها موجودة في كل الصحف الاردنية والعربية، لكني وجدته يدير رأسه نحو النافذة ويغط في نوم عميق

وبمناسبة النوم فقد كنت اصاب بالقهر وانا اراقب بعض ركاب الحافلات وهم يغطون في نوم عميق حال تحرك الحافلة، وذات مرة وكان الذي يجلس بجانبي يتطوى نائماً وهو يشخر ويضع رأسه على كتفي ومن ثم على صدري، فما كان مني الا وأنهضته بقسوة قائلاً له «هل أنا أُمك؟؟ ثم يا صاحبي مادمت تنام بهذه الطريقة لماذا لم تأخذ مقعدا كاملاً لك وحدك». وقد فرحت ذات مرّة وانا ارى احدهم في الطريق الى اربد وتحديداً عند المنحنى الذي يسبق جسر سيل الزرقاء، يقفز من مقعده نائماً ويقع على رأسه عند درج باب الباص.

انها فكاهة الحافلات والباصات.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور