وحدهم فقط من يعمل على «جغرفة» التاريخ، وحدهم من دون شعوب العالم من يعمل على تشييد جغرافيا سرية، تنهل خطوطها الحدودية من اوراقهم وكتبهم الصفراء، وحدهم من يعاين الكوكب الارضي ومن ثم يذهبون الى توراتهم وتلمودهم، ومن ثم يبدؤون، بوضع الخطوط الحمراء على اماكن لم تكن ابداً لهم، تاركين وقت الحصول على هذه الاماكن وتملكها للحظات الحمقاء التي يقترفها التاريخ.
وحدهم من بين كل شعوب الارض قاطبة من يتعامل مع التاريخ باعتباره جغرافيا خاصة بهم، يمكن التستر عليها مرحلياً ومن ثم معاودة نبشها في الوقت الغبي الذي تكف فيه الشعوب عن حماية جغرافيتها من هذا السرطان التوراتي.\ انهم اليهود الذين اقاموا دولتهم العبرية في فلسطين التي نصبوا فيها مضاربهم في لحظة تاريخية وذابوا في الشتات ليعودوا بعد قرون طويلة لتأثيث حضورهم من جديد، مدعمين هذا الحضور بجغرافيا يعتقدون انها صحيحة.
ولهذا لم تسلم الجغرافيا الخاصة بفلسطين من الحفر اليومي في ترابها بحثاً عن الدلائل التي تشير ان هذه الارض لهم. ولهذا يقومون بتهويد الاماكن التي يحتلونها، وهذا بالضبط ما فعلوه في كل المناطق الفلسطينية المحتلة، وخصوصاً في مدينة القدس التي تحولت الى مدينتين واحدة على سطح الارض والاخرى في باطنها الترابي، حيث يقومون ليل نهار في البحث عن الهيكل المزعوم، ويجيشون منظمات دولية ورجال آثار من اجل القبض على أي دليل يثبت وجود هذا الهيكل. لكن الجديد في محاولة جغرفة التاريخ انهم قاموا مؤخراً بالاعلان عن موقع «المغطس» الذي تعمد فيه المسيح في الجانب الغربي من نهر الاردن، والعمل على اقامة كنيسة ياهوذا على هذا الموقع المقترح، هذا حدث بالرغم من اعتراف كل رجال الدين المسيحي اضافة لحاضرة الفاتيكان بأن موقع تعميد المسيح حدث في «المغطس» الذي يقع شرقي النهر. وهذا يعني اننا امام لصوصية جديدة في جغرفة التاريخ.
وأنا في هذا السياق أعلن عن استغرابي في عدم استنفار القوى السياسية والاعلامية الاردنية للوقوف محلياً وعربياً وعالمياً ضد هذه اللصوصية السياحية الاسرائلية التي تحاول ان تضيف أحد الاماكن التاريخية الاردنية الى جغرافيتها السرية.
ذلك ان حدثاً مثل هذا يستحق منّا ان نقبض على ارضنا الاردنية بالنواجذ، ولا نتعامل مع مثل هذا الحدث بمثل هذه الرخاوة الاعلامية، دون ان نزلزل الارض من تحت طبقة جغرافيتهم السرية التي تتوعدنا في اماكن كثيرة، ولا تنتظر الا اللحظة التاريخية الحمقاء التي تؤكد ملكيتهم لهذه الجغرافيا السرية.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور