ما زلت اذكر ذاك الضحى الاربدي عام 1969 حينما اتفقت ان نذهب انا وبعض الاصدقاء للتسجيل في تنظيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وقد كانت قوانا الفتية الواقفة على عتبة الرجولة آنذاك تجعلنا ننفخ صدورنا كالديكة، ونحن ندلف بوابة تلك الدار التي كانت تقع على اطراف اربد، وقد فرحنا ونحن ندخل غرفة كبيرة بانتظار قائد الخلية السرية، الذي سيعمدنا كثوار. الى ذلك دخل علينا شاب ملتح ونظيف قائلاً «صباح الخير ايها الرفاق»، ايقاع كلمة «رفاق» في الأذن كان ايامها تجعل ياء النداء تقيم في المقدس من النطق، وامام هذا الارتقاء بالتسمية الجديدة لنا قلنا له بصوت واحد «اهلاً بك يا رفيق».
الشاب الملتحي أحضر سبورة وطبشوراً وبدأ يرسم لنا خارطة فلسطين. من هذه اللحظة شعرت انا بالتقزز لا لشيء سوى أن الشاب باحضاره للسبورة قد أعادني لجو المدرسة التي كنت اناصبها العداء منذ الصف الاول الابتدائي، وصار الشاب يشبه سطوة المعلم وسطوة أبي وأعمامي، واصدقاء والدي وكل الذين يمارسون ابويتهم على قوانا الشبابية.
انتهت الجلسة التنظيمية الاولى وكان علينا أن نحضر في صباح اليوم التالي، لكن ثقافتي الوجودية التي كانت تتأصل في روحي جعلتني أقنع اصدقائي بعدم الذهاب بحجة ان المكان بعيد
لكن من قال أن سحر كلمة «يا رفيق» فقدت سحر ايقاعها في الأذن، فقد كانت هذه الكلمة التي عمم استعمالها الحزب الشيوعي ومن ثم تم تعميمها على كافة التنظيمات الحزبية الاخرى كالاحزاب البعثية مثلاً، كانت تجعل المنادى عليه يفقد «كوده» الاسمي ويفرح لارتقائه الى مستوى رفيق، حيث تصبح مثل هذه التعمية في الاسم من ملامح الارتقاء العالمي في النضال.
وبالنسبة لي لم تتح لي فرصة ان ينادى عليّ بهذه الصفة لأن اكبر صفة حزبية حملتها من كل الاحزاب والتنظيمات العربية والفلسطينية التي كنت أتعالق معها هي صفة «نصير»، لكن صفة «الرفيق» ظلت تطرق مسامعي بايقاعها النضالي النادر.
لكن المفاجأة التي كانت بانتظاري هو انني وحينما ذهبت للامارات اكتشفت ان كل العمال الآسيويين يخاطبون المواطنين والوافدين العرب بكلمة «يا رفيق» وهذا ما جعل الكلمة تفقد بريقها.
ومع تفكيك الاتحاد السوفييتي واليسار العربي عموماً وتوالي توقيع المعاهدات مع العدو الصهيوني ومأسسة الثورة الفلسطينية واكتشاف شخصية الدكتاتور القائد للثورة، صرت أشعر ان كلمة يارفيق اخذت تنأى، الى الدرجة التي تجعلني أسأل بوحشة «هل انقرض زمن الرفاق؟».
ويبقى السؤال معلقاً.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |