أنا من جيل يحق له أن يفتخر بطفولته الطلقة. تلك الطفولة التي كانت من صناعتنا تماماً، بخيالها وشيطنتها وكل حماقاتها، والتي كانت لا تتيح للكبار التدخل في صياغتها او تقديم مقترحات عليها، بل كانت تتشكل بوعينا الطفولي الجميل.
وقد كانت بوابة الدار التي لا تغلق الا في العاشرة مساء، هي بوابة انعتاقنا الى الحارة ودهاليزها السرية، وحواكير البيوت ذات الاشجار المثمرة. وكانت طفولتنا تسمح لنا باختيار الوقت المناسب للعب ب «البنانير» او «الدواحل»، وتسمح لنا برسم وتخطيط كل الخطوط اللازمة للممارسة هذه اللعبة، كما كان وقتنا يسمح لنا بشراء الاسياخ المعدنية الناعمة والطرية ذات اللون الفضي الشهي، كي نشكل منها العابنا من سيارات وحتى طائرات ونقودها ونحن نتفاخر في الطرقات الترابية وفوق الاسفلت.
وأنا «كاربدي» مُزمن ما زلت أذكر سهول «اربد» التي كانت تحيط بالمدينة من كل جانب، وكيف كانت هذه السهول تغرينا بالمغامرة في المسير حتى أقصى نقطة في المشاهدة، فنذهب في المسير الى قرية «بيت راس»، ونجتاز ذلك السهل المدهش باخضراره وتطاول سنابل القمح فيه، ونحن نأكل بعض الاعشاب البرية التي كانت تقينا من الجوع، وحينما نصل الى حواف القرية كنا نذهب الى تلك المغارات التي سنعلم لاحقاً ان الرومان كانوا يعتقون فيها النبيذ. وحينما كنّا نصل الى بناء طيني بجدرانه المتهالكة نبدأ باشتمام رائحة بخور وبعض الأقمشة النحيلة الخضراء المعلقة على جدرانه، وحين يقال لنا أن هذا هو مقام «الخضر» عليه السلام كانت اجسادنا الصغيرة تصاب بالقشعريرة وبالورع الطفولي المبكر.
وحينما كنّا نعود الى بيوتنا لم نكن نتعرض الى أي تقريع من امهاتنا اللواتي كنّ حينما يشاهدننا نترمى في حوش الدار او في غرف الدار ينهرننا قائلات « اطلعوا العبوا في الحارة
»
لقد كنّا ابناء شوارع بامتياز، وانا مازلت أشعر بالامتنان تجاه حارتي الاولى لانها كانت هي الكفيلة في تربيتي، ومنحي كل هذا المخيال الذي أهلني كاتباً.
مناسبة حديثي عن طفولتي هو مراقبتي للاعتقال البيتي الذي يتعرض له اطفالنا وتسليم رؤوسهم الصغيرة لمخيال الصور المتحركة، وهذا التدخل المفجع من قبل الكبار في تشكيل ذهنية الطفل واثقالها بالواجبات بحجة التربية الحديثة.
ومناسبة حديثي هي تلك الطفلة الاردنية التي شنقت نفسها اول امس وهي تقلد بعض الصور المتحركة.
عجبي | |
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |