ظلت الأدعية التي يلقيها امام خطبة المسجد العربي في كل جمعة، تلك الأدعية التي تطالب بتشتيت شمل اليهود، باقية في صحن المسجد، وبقي المصلي الذي ما أن ينتهي من صلاة الجمعة، حتى يقبل على المائدة الدسمة التي أعدتها زوجته مثلما يحدث في كل يوم جمعة .
وظلت الخطابات التي يتشدق بها الساسة والزعماء العرب بتحرير فلسطين من النهر الى البحر، خلال أكثر من ستين عاماً، محض ظاهرة صوتية لا تقوى الا على خدش الهواء.
وظلت البيانات الحزبية والثورية التي تتشدق طوال المدة ذاتها بتحرير فلسطين والانتصار على كل طغاة العالم محض كيان حبري يظل يقيم على الورق.
وظلّ البيان الختامي للمؤتمرات الحزبية والسياسية العربية، المثقل بالواجبية والداعي الى ضرورة الانتفاض ضد الاستعمار والاحتلال بكافة اشكاله وأنواعه محض هراء.
وظلت مؤتمرات القمة العربية التي كانت تعقد بصعوبة بالغة بسبب دلال هذا الزعيم أو ذاك مجرد حالة تدريب على حضور المؤتمرات، وتعلم البرتوكولات التي تميز مثل هذه المؤتمرات، هذا عداك عن استعراضات الدكتاتور معمر القذافي واشتراطه السمج في نصب خيمته عند كل مؤتمر، وصارت لاءات الخرطوم الثلاثة، وكل هذا مجرد ذاكرة حبرية تنام في أدراج الجامعة العربية ومكاتبها.
وظلت المؤتمرات التي تعقد للانتصار للبيئة وتسيدها لمشكلاتنا الحياتية والصحية، او لقرع جرس التصحر والفقر المائي الذي يتوعد الامة العربية جمعاء مجرد مؤتمرات تعقد للتماهي مع مؤتمرات غربية تعقد بهذا الشأن، وهي ان شئنا القسوة في الطرح يتداعى اليها المسؤولون العرب بهدف الاستجمام والحصول على تذاكر السفر وقبض المياومات.
وظلت التعليقات السياسية في الراديو والتلفزيون التي ثقبت رؤوسنا من خمسينيات القرن الفائت وحتى ايامنا هذه، هي ذاتها التي تعتمد على البلاغة وسُمنة الانشاء.
ان العقلية الاجرائية التي تحتم التحرك الفيزيائي لتحقيق الاهداف الوطنية والقومية، ظلت بمنأى عن خطابنا السياسي والثوري وحتى المعرفي، وبقيت الشعوب العربية تاريخياً تستمتع في الاقامة في مساحة اللغو والانشاء، والتمتع بالراحة بعيداً عن الاستحقاقات الاجرائية التي ينادي بها خطابنا.
نعم لقد استغرقنا في اغفاءة تكاد تبدو دهرية ونحن نعتقد وبغباء منقطع النظير اننا نحقق اهدافنا بالصوت وسحر البيان. ويبدو اننا سنسدد فواتير دموية عديدة بسب هذا الغباء في التعامل مع الزمن.
وعليه يمكن الجزم بأن الحراك الشبابي العربي هو أول الغيث. وهو تحركنا الأول في محق منطقة التجريد والابتداء في الحركة والاجراءات.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور