الزعامة العربية قد تشطح في مخيالها الى أبعد الحدود الانقلابية في التخيل ، لكنها وكما جرت العادة تاريخياً تستبعد دخولها قفص الاتهام في محكمة علنية تبث على معظم الفضائيات العربية، وسبب هذه الطمأنينة «البقرية» هو ان التاريخ العربي لم يسجل في جميع تعثراته الدهرية، حالة وضع فيها الزعيم في قفص الاتهام، وكي نسبق التعليق على هذا الطرح نقول ان الرئيس العراقي صدام حسين حوكم بدوافع طائفية لم تخلُ من الثأر التاريخي، اضافة الى ان محاكمته تمت برعاية احتلال امريكي، لكن المفاجأة الحضارية التي قدمتها أم الدنيا مصر في محاكمة الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، قد جعلت القضاء المصري والجيش المصري والحراك الشبابي المصري يمتلك المبادرة الاولى في تاريخ الانظمة العربية التي تجعل الرئيس المخلوع يدخل قاعة المحكمة ممدداً على سرير المرض وبصحبة نجليه علاء وجمال.

والزعامات العربية التي واظبت على حضور جلستي محاكمة مبارك، وهي تحوقل وتبسمل من هول الفاجعة الثورية التي تنتظرها، بينما الرئيس مبارك الذي كان مرئياً حد الضجر في قفص المحكمة وحوله الابناء الاجلاء، كان يحاول ان يبدو أنه أكبر من المشهد الذي يضعه في خانة الاذلال، حيث كان يعرف ان وضع رأسه بشكل استلقائي تجعل الكاميرا تبدو وكأنها اصطادت وجهه من الاسفل، وفي كيمياء الصورة التي تلتقط من الاسفل، تجعل الشخص صاحب الصورة وهو يقلب شفتيه وكأنه في حالة تقزز دائمة من كل حضور المحكمة ومن القاضي نفسه. ويبدو ان المستشاريين السريين للرئيس المخلوع قد أوصوه وحينما ينادى عليه ألا يقول «حاضر يافندم» كما فعل في الجلسة الأولى، فآثر أن يكتفي بكلمة «موجود». ويبدو انهم اشاروا عليه بعدم العبث في فتحتي انفه كما فعل في الجلسة الاولى.

الرئيس حينما استقر في قفص الاتهام مثله مثل اي مواطن مصري، كان يراهن على فكرة الاستجداء والاحتماء بمقولة «ارحموا عزيز قوم ذل»، لكن النهوض الحضاري لثورة الشعب المصري العظيم قدم بالفعل محاضرته التعليمية الاولى في درس التحضر والتمدن، وكانت شعوب الارض قاطبة تنظر الى الرئيس الذي تحول الى كتلة هرمة ولدنّة بما يليق بدكتاتور استطاع بالحديد والنار ان يقهر شعباً، هو اكبر من كل زعاماته.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور