في رمضان وحينما تحاول الذهاب الى وسط البلد، فعليك أن تعلم انك تذهب الى ضجة مجنونة لا تعرف الرحمة، فرخاوة خطوات المارّة تجعلك تفكر ان كائنات وسط البلد فقدت احساسها بجاذبية الأرض وهي على وشك التحليق «من خفة الكائن التي لا تحتمل» مع الاعتذار ل «كونديرا»، وانها على وشك الارتماء على صدرك من ثقل الصوم ومعاناته. وعليك ايضاً ان تحتمل تعدد لايدي النحيلة الوسخة طالبة منك حسنة لوجه الله، ولن تفلح في الاعتذار لهذه المتسولة أو تلك، ذلك ان خبرة الالحاح في التسول والامساك بأي جهة متاحة من ثيابك سوف تجعلك تدفع. وعليك ايضاً احتمال حالة النزق التي تصيب الباعة، وعدم احتمالهم لأي سؤال مقترح حول البضاعة ونوعيتها، لا لشيء سوى ان البائع صائم. وعليك بناء على كل هذا ان تختار الوقت المناسب قبل ان يصل السوق الى لحظة الذروة، وهي على الاغلب بين الساعة التاسعة والعاشرة صباحاً. وعليك في لحظة الحصول على تاكسي ان تجزل الدعاء لرب العالمين كي يمنحك السائق «ابن حلال» بالمعنى الأُمي لهذه العبارة، ذلك انك لن تحصل على سائق بسهولة، وان حصلت فانك على الأغلب سوف تتعرض لأسئلة عن الجهة التي تود الذهاب اليها، وفي العادة يأتي السؤال استعلائياً على اعتبار انه يقود مركبة فضائية، وحين تغامر وتعطيه الاجابة فهو يلوح لك بيديه قائلاً لك «ليست في طريقي»، وهو بذلك يدعوك وبطريقة لا تخلو من الحمق المهني ان تذهب معه الى الجهة التي هو ذاهب اليها.

وحينما يأتي ابن الحلال وتجلس الى جانبه تقوم بحلف اغلظ الايمان بعدم معاودة ذلك، لكنك بعد ايام تعاود الفعلة ذاتها

وفي رمضان وحينما تحاول بعد الافطار ان تتخلى عن مشاهدة الدراما السمجة، وتذهب الى شارع الثقافة كنوع من محاولة تمزيق رتابة الايام، فانك سوف ترى عمّان كلها وقد تحولت الى نارجيلة تصصطف امام طاولات بانتظار الزبائن، الذين امضوا النهار الرمضاني بانتظار التهام مبسم النارجيلة ونفث التوباكو المطعم بكل النكهات المسرطنة. واذا كنت من المحظوظين فستكون هناك مباراة لفريق برشلونة، لأنك ستشاهد جنوناً جماهيرياً لا يصدق في دعم فريق برشلونة

في رمضان «الحالي» حيث الخيم الرمضانية وحفلات الرقص والغناء والبذخ الكافر وكل هذا الجنون الجمعي، تحس بحرقة التشوق لرمضان الستينيات والسبعينيات، تشتاق لوقاره الطفولي البهي. وتحزن.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور