من يتمعن في القطاف الدكتاتوري العربي، الذي كشف عن وجهه الدموي البشع الحراك الشبابي في ربيعنا العربي الطازج هذا، ومن يتمعن في هذا القتل المدجج بالشبيحة والبلاطجة، لا بد وأن يُحمل الشعوب العربية التي انساقت وراء هذه الطُغمة من الدكتاتوريين بعماء أمي المسؤولية ايضاً، فلا يعقل ان يتحمل الدكتاتور المنتخب بنسبة 99% كل هذا النتاج، ذلك ان الشعوب العربية تتحمل ايضاً جزءا من هذا النتاج، والسبب في اعتقادي هو تلك العدوانية التي يكنها العربي تجاه القراءة، فالمكتبة كنوع من الاثاث الذي يستكمل به ديكور البيت، تكاد تختفي من قائمة اي عربي يشرع في تأثيث بيته، واذا ارتطمت نظراتك ببعض المكتبات التي تحويها بعض البيوت العربية فهي على الأغلب تشتمل على بعض الكتب الجامعية التي درسها صاحب البيت وعز عليه ان يرميها في أقرب حاوية.

والعربي لا يخضع لفكرة التنوع القرائي بمعنى ان يلتزم بقراءة صحيفة يومية، أو مجلة اسبوعية او حتى شهرية، لأنه يعتبر هذا التنوع من الاحتياجات أحد أشكال الفسق في تبذير النقود، أضف الى ذلك أن العائلة العربية تعتبر الكتب التي من المسموح التعامل بها في البيت هي الكتب المدرسية، وعلى الصعيد الشخصي مازلت أذكر المعاناة التي عشتها في مطلع شبابي وأنا أشتري الكتب الأدبية والفكرية، حيث كنت اتعامل مع هذه الكتب باعتباري اتاجر بالممنوعات.

وفي بعض البرامج الترفيهية التي تبثها احدى الفضائيات سألت المذيعة بعض المشاهدين العرب عن زراعة «المعكرونة»، فكانت الاجابات فكاهية، ذلك ان احدهم أشار الى انه شاهد زراعة عيدان المعكرونة «المقطعة»

ان قمع القراءة بهذه القصدية المرعبة تاريخياً، قد ألقت ظلاً معتماً على المخيال الشعبي العربي العام، وجعلته يعيش حالة شح في التفكير والمبادرة. وقمع القراءة بهذه القسوة التجهيلية استطاع ان يُحيد الفعل الحضاري البهي لدور الادب والموسيقى والمسرح، فضلاً عن امعانه بقمع القوى الخلاقة عند الجماهير العربية.

والحال فان العماء الحضاري الذي يعيشه العربي ويقطف نتاجاته، اساسه الفقر القرائي، وبتر المخيال الذي يمكن ان تولده القراءة.

والغريب ان هذا يحدث مع أمة كان نهوضها الحضاري الأول يقوم على عبارة قرآنية هي «اقرأ».


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور