كنا في منتصف السبعينيات من القرن الفائت نعاني من حمى الحوارات الثورية واليسارية تحديداً على تنوع مسمياتها، وكنّا آنذاك نجلس في بيت احد الاصدقاء نمارس هذه الحمى الحوارية، وفي لحظة كان ابن صديقنا هذا يمارس شقاوته الطفولية فوق طاولة «السفرة»، هوى الطفل بجسده الصغير على الأرض، فما كان مني أن قلت «الله»، ولم أدر ان نطق اسم الجلالة الذي خرج مني بعفوية كنوع من الحماية الربانية للطفل وسط هذه الحلقة اليسارية كارثة، حيث قال أحدهم متفكهاً «أن خليل قنديل ما زال يستنجد بالله عند حدوث اي حادثة، فما كان مني الا ان قلت له بقسوة «هل تريد مني حين يقع الطفل ان أستغيث قائلاً «يا.. ماركس» أو « يا.. يعقوب زيادين؟».

سقت هذا المثال لأتحدث عن هذا النهوض الايماني الاسلامي في الوجدان الشعبي العربي المرافق لثورات الربيع العربي. وهو بالمناسبة نهوض ليس له أي علاقة بالاحزاب الاسلامية او تنظيماتها على تنوع اشكالها بين اسلام معتدل واسلام حكومي واسلام امريكي واسلام متطرف. إن الاسلام الناهض هنا من روح الثائر العربي، هو الاسلام الحضاري المتجذر في شخصية العربي، وهو الاسلام الذي يلوذ ويحتمي به المواطن العربي في لحظات الشدائد. وهو المُشكل الأول للشخصية العربية عبر قرون طويلة، وبالتالي تحول الى ثيمة عفوية لحظة مواجهة العربي لقدره.

ومن راقب ثوار ليبيا وهم يقتحمون «باب العزيزية» أمس الاول لابد وأن يدهش من هذا التباري الصوتي عند الثوار وهم يعيشون فرحة النصر وهدم قلعة الديكتاتور ويصرخون بين لحظة وأخرى بكلمة «تكبير»، حيث تتعالى الاصوات بعد ذلك بهتاف «الله أكبر».

والحال فإن الجهات التنظيرية والمعرفية الشاهدة على هذا النهوض الثوري العربي في لحظة تجسيدها لواقع ما يحدث ومحاولة التنظير له فكرياً وحتى فلسفياً تتغاضى كثيراً عن الأيقونة الاسلامية التي شكلت الوجدان الباطني للعربي عبر قرون طويلة لتتعامل معه من خلال نتاجات فكرية وعصرية هجينة استطاعت أن تغلف روح العربي.

ولم يكلفوا انفسهم عناء دراسة سبب أسماء «الجمع» الثورية التي تتغير وتتبدل في كل اسبوع، أو لماذا «الجمعة» تحديداً، أو لماذا الخروج التظاهري من بوابة مسجد صلاة يوم الجمعة.

إنها كيمياء الاسلام التي شكلت شخصية العربي، والتي لم تدرسها المطابخ السياسية الغربية دراسة جذرية بعد. وهي أيقونة العربي المطلسمة التي لم تخضع للتشريح بعد.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور