وهكذا توضع الشعوب الثائرة في «ربيعها العربي» على طغاتها وديكتاتورياتها في منطقة حضارية حرجة يكون عليها الاختيار بين حالين احلاهما مُر فالشعوب التي أعلنت ثورتها السلمية المجردة من كل شيء الا من صدور الشباب العارية وقامات الصبايا، ومحاولة رفع طاقة الصوت الذي عانى من اللجم دهوراً، مطالبة بالنطق الواضح والبين باسقاط الديكتاتور، واندفعت الى الشوارع والساحات وهي تهتف ضد انظمتها القمعية، وضد تحويل الوطن الى مزرعة وراثية .

هذه الشعوب كشفت عن البُنية المتأصلة في تكوين هذه السلطة العربية وقدرتها على قطع كل رأس يفكر في الاقتراب من السلطة بهدف ازاحتها، أو المطالبة بدولة مدينية حديثة قادرة على التعامل مع «الدستور» بمرجعية حضارية.

هذه الشعوب بشبابها وفتيانها ونسائها وحتى اطفالها صارت قابلة للقتل اليومي بصواريخ «جراد» وبالطائرات المروحية وبالانزال العسكري احياناً وبالدبابات والمدفعية وكل الاسلحة الثقيلة. وهذه الشعوب بدأت أيضاً بمواجهة الشبيحة والبلطجية الذين يحملون هذا المسمى العائم الذي فرخته السلطة القامعة كي تضيع «طاسة»القاتل

هذه الشعوب التي كلّت من تقديم قوائم الشهداء الابرياء عند كل صباح، أخذت تستنجد بالمنظمات الحقوقية الدولية والمدنية للدفاع عنها امام هذه الهجمة السلطوية القذرة، لا بل ذهب التوسل الثوري عند هذه الشعوب لمخاطبة القوى العظمى للضغط على هذه الديكتاتوريات، ودعوتها للتدخل بأي شكل.

وهكذا وضعت الشعوب الثائرة في ربيعنا العربي بين خيارين هما: اما الموافقة على تأبيد زعامة الديكتاتور، أو استدعاء قوات الناتو لكسر شوكة هذا الديكتاتور، والفوز بالدولة الديمقراطية الحديثة.

ولأن قوات «الناتو» ليست «جمعية خيرية» كما قال أحد قادتها، فان هذه القوات وحينما تقضي على الطاغية، تطالب بتحقيق مصالحها واسترداد ثمن الطلعات الجوية التي كلفتها الملايين من الدولارات.

واعترف اني وحينما تابعت اعمال المؤتمر الدولي الذي اقيم مؤخراً في باريس لدعم الثورة الليبية، أني استهجنت كل هذا الحنو الدولي وتحديداً الغربي على الشعب الليبي، ومناقشة المؤتمر لأدق احتياجات الشعب الليبي.

ولكي أكون أكثر دقة شعرت بان الغرب وامريكا يستعدون حقيقة لمساعدة كل الثورات العربية بكل الامكانيات بشرط تقسيم الكعكة الخاصة بالدولة العربية التي تحررت من زعيمها الطاغية.

انها القوة الناعمة والمثقفة للاحتلالات الجديدة القادمة. ولعل هذا هو أخبث الاحتلالات في التاريخ.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور