ما زلت أذكر يا صديقي كيف كنّا، نحن الاصدقاء، ذات ليلة «عمانية» عاصمية بامتياز، أنا وأنت وعلي العامري ويوسف أبو لوز، نعاني من برد عمان القارص، ونحن نبحث عن مكان نقضي فيه ليلتنا كي نتراشق بالشعر وبالجملة النارية حتى طلوع الصباح.

ما زلت أذكر كيف قلت انا « متى يصبح لنا مكاننا الأليف في عمان» وبعد نطقي لهذه الجملة وجدت نفسي أشهق قي البكاء، وكان عليك وقتها ان تنظر الى قامتي الضخمة وجهامتي وأنت تقول:» يالهي ..جبل يبكي» فما كان من شاعرنا الجميل يوسف أبو لوز الا أن قال لك» ما الذي يجعلك تندهش يازياد أنسيت ان اليانبيع تتفتق من الجبال وسفوحها، فلماذا تستغرب بكاء الجبل».

ضحكنا وقتها وما كنّا ندري أن الايام والسنوات اللاحقة سوف تبدأ بنسج خيوط امراضنا المقترحة التي سوف تقودنا بحرص حضاري غبي الى غرف العناية المركزة، وأننا سوف نكون مرئيين الى هذا الحد المضجر في عيون الزوار الفضولية التي سوف تنهب ملامحنا واجسادنا وهي تستلقي على الفراش الابيض، بينما الانابيب البلاستيكية المرتبطة بالشرايين التي تهبنا طعم الحياة المؤقتة وتذهب عنّا شبح الموت، ونحن نحدق بأعيننا التي ما زالت تكتظ بالعافية ونراقب شبح الموت الغادر وهو يتنطنط فوق رؤوسنا.

وما زلت أذكر كيف كنّا في ذات مقهى ومعنا الشاعر والصديق الرائع «باسل رفايعة» في مطلع التسعينيات، وكيف سألت الصديق «باسل» ان كان يعرف الشاعر زياد العناني الذي بدأت أٌقرأ له قصائد لافتة في الملاحق الادبية الاردنية، فرد عليّ باسل اتريد ان تراه الآن؟ فقلت له «معقول» فاتصل بك صديقنا «باسل» وكنت بعد ساعة تجالسنا بحضورك الفيزيائي، وتقرأ لنا من قصائدك المُدهشة.

هاهو الجبل «خليل قنديل» يبكيك من جديد، ويود لو يقف امامك كي يقول لك « انهض ياصديقي يا صاحب «خزانة الأسف» ويا صاحب»مرضى بطول البال»، دع موتاك.. موت الأب وموت الأم وباقي موتى القبيلة دعهم في موتهم وفي عمائهم القبري. دع هؤلاء الذين جعلوا قصيدتك تحرس موتهم دائماً. انهض ياصديقي الآن بقوة الشعر وبقوة الاقبال على الحياة هذه التي احببتها، وانت تنهبها كل صباح، ودع قوة الحياة تميع دم هذا «التجلط» الذي سرق الحركة من نصفك البشري، وتعيد اليك ذاك البهاء البدوي.

انهض يا زياد من سريرك المريض هذا، وانفض عنك غبار المرض، فحياتك يازياد ما زالت تعدنا بقصائد مدهشة، والشعر ها هو فوق رأسك يحرسك كي تباغتنا بنطقه بتلك الحشرجة البدوية في الصوت.

انهض بازياد انهض اذ لا تليق «الجلطة» بالبدوي الذي روحه متسعة اتساع المدى الصحراوي بينما قلبه يكتظ بواحات نادرة الخضرة.

انهض يازياد.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور