الشاب النحيل الى درجة «المعكرونة» مرّ من أمامي وأنا أجلس في المقهى، كان مشهده لافتاً، اولاً من حيث ملابسه التي من الواضح انها لم تمر على مكوى منذ أن اشتراها، الى الدرجة التي يجعلك فيها تعتقد أن الشبيبة كانوا قد وقعوا اتفاقاً على عدم تعرض ملابسهم للكوي، ذلك ان بنطال الكابوي يتم شراؤه على قاعدة «اغسل والبس»، هذا عداك عن «بلوزة» النصف كم ذات الالوان الطينية التي يرتديها وهي معنونّة بكلمات بالانجليزية يصعب احالتها لاي مرجعية.

الشاب الذي مرّ من أمامي بأرجله النحيلة وبذراعيه الأكثر نحلاً استطاع ان يلفت انتباهي بتسريحته التي تجعل شعره يتوزع باتجاهات متعاكسة، فلا تعرف بالضبط من اين تبدأ بالنظر الى تسريحته، ويبدو ان مخترع هذه الموضة كان قد انهض ابنه ذات صباح من نومه، وحين نظر الى تسريحته التي ابتكرها تقلبه على الوسادة، فأعجب الأب مصمم التسريحات وقرر اعتمادها، وتسميتها كي تعمم على جيل كامل.

الشاب النخيل الذي تمادى في مشهديته وجلس قبالتي اعاد لي ذاكرة الحلاقة والتسريحات الشبابية وحتى الصبيانية، فطفولتنا كانت قد استيقظت فتوتها على تسريحة «الكوكو» وهي تسريحة يجب ان يكون صاحبها في مطلع عمره العشريني، وما زلت اذكر كيف كنا نتباكى لامهاتنا عند كل استحمام كي يسرحنّ شعرنا على طريقة «الكوكو» فكنا نتلقى منهن الزجر لا لشيء سوى ان شعرنا قد تم قصه على درجة «2» وهي درجة اعلى من الصفر بقليل.

وقد كان عري تسريحتنا الطفولية يكشف عن شقاواتنا حيث محل «الفشخة» بحجر ما زال ماثلاً بطريقة تشبه الوشم اللحمي. وقد كنا في غضون ذلك نعاني من طلة ذاك الشاب الذي حرق قلوب بنات الحارة، بالتماعة شعره المطلي بالزيت كي يضفي عليه التماعة خاصة، هذا عداك عن تدرج غرته فيما يشبه الدرج

وما ان تلمسنا مدارج الصبا وانتفاخ الصدر الشبابي حتى انغمسنا بتسريحة الخنافس التي كانت تتيح للواحد منا ان يطيل شعره كما يشاء وبغض النظر عن تقريعات الاهل، هذا اضافة الى السوالف التي كنّا نتبارى بتطويلها بحيث كانت تشبه جزمة كبيرة.

الشاب النحيل أحس بالانزعاج من تأملي وتحديقي به، مما اضطره الى الانتقال الى طاولة اخرى، وقد شعرت انه من الواجب عليّ أن اقدم الشكر لهذا الشاب الذي أعاد لي ذاكرة التسريحات، لكن تفشي تسريحة الحلاقة بالشفرة الى حد «الصلع» هذه الايام جعلني أعدل عن ذلك.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور