بسبب تاريخي ظلت الشخصية العربية تبدو وكأنها تعيش على حافة الكوكب، وبسبب عدم مشاركة العربي ابتداءً من سقوط الاندلس وانتهاءً بربيع الثورات العربية في أي منجزات تقنية وتكنولوجية وفكرية لها حفرها المتميز على سطح تحضرنا القائم، فان مرجعيات فكرية بائدة وغيبية ظلت تتحكم بطبيعة الشخصية العربية وتشكل ابرز ملامحها بالرغم من كل هذا الغلو الذي يبديه العربي في التعامل الايجابي مع متطلبات الحضارة القائمة والموافقة على كل استحقاقاتها.

فعلى سبيل المثال هناك رؤوس اموال عربية في بنوك محلية وعربية ذات ارقام فلكية، يخشى أصحابها الاعلان عنها أو التمتع فيها خشية حاسد اذا حسد، أو خشية طلاب الاقتراض أو طلاب المعونات الاجتماعية الملّحة. وهذه بالطبع يمكن تسميتها بالباطنية الاقتصادية التي تجعل أثرى الأثرياء يقدم نفسه باعتباره من أشد الناس فقراً.

وعلى سبيل المثال أيضاً فان العديد من المشروعات الطموحة التي ينجزها بعض الأشخاص تظل تتم بسرية عالية، هي أقرب الى الباطنية أيضاً، تحت شعار «داروا أموركم بالكتمان»، وهذه المداراة هدفها الاساس النأي بالنجاح عن مساحة الحسد أو فعل التخريب وتعطيل المشاريع. ذلك أن خبثاً سرياً ومتربصاً يظل جاهزاً للانقضاض على كل نجاح وبالتالي تدميره.

وهناك ايضاً تفشي النفاق في المجتمعات العربية، والتعامل بوجهين وجه معلن، ووجه باطني يغور في أعماق الذات ولا يمكن الاعلان عنه بوضوح الا عند الضرورة القسوى. وذلك عندما تصل الامور حدها بين الاطراف.

والنفاق الباطني لا يتوقف على العلاقة بين طرفين بل يتعدى ذلك الى النفاق مع مدير المؤسسة والدائرة الحكومية ويتدرج حتى يصل الى الوزير ورئيس الوزراء وحتى رأس الدولة العربية. وبالتالي فان هذا الولاء المعلن لأي جهة من هؤلاء وعند أول منعطف تغييري يقبل المحق والانقلاب من جهة الموالين بسبب تلك الباطنية الولائية.

وفي محاولة جريئة ومبكرة من تاريخنا العربي كتب الروائي المصري الراحل «يوسف السباعي» رواية بعنوان «أرض النفاق»، حيث تقوم الرواية وبشكل كاريكتوري على بطل الشخصية الذي يتناول من أحد الحكماء حبوبا خاصة بالشجاعة، اخرى بالصراحة لترينا تلك الرواية الحجم الهائل لتدميرات الباطنية في أعماقنا.

ان الثورات المتلاحقة في الوطن العربي منذ مطلع الخمسينيات وحتى يومنا هذا ظلت تنأى عن فكرة التثوير في البنية الاجتماعية العربية وتحطيم بنية التخلف الرابضة فيها، مرتكزة على الهتاف التجريدي وعلى عسكرة الوطن العربي بالانشاء وبالاستعراضات العسكرية التي لا تقدم ولا تؤخر في البنية الخربة لهذه الشخصية.

ان الاصلاح الحقيقي لأي حركة تقترح نفسها على الساحات السياسية العربية هو ان يكون ضمن برنامجها الاساس التثوير الاجتماعي، اذ لا يعقل أن نظل ممغنطين دائماً في منطقة المربع الأول.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور