كنت قد كتبت مقالة عنهم في هذه الزاوية تحت عنوان «التسول المقنّع»، وكنت أعتقد انني قلت كل شيء عنهم، لكن الظاهرة بدأت بالتورم وبدأت ايضاً باتخاذ أشكال جديدة. وقبل أيام كنت خارجاً من «سامح مول» وأشرت للتاكسي بالتوقف، وما أن جلست بجانب السائق، حتى بدأ الرجل بشتم الظروف وتقلبات الحياة، والنقمة في تحصيل لقمة العيش اينما حط واينما ذهب. وفي هذه الحالة يكون عليّ كمستمع وتحاشياً لفكرة تعميق هذا الحوار الساذج، أن أبدي موافقتي على كل ما يقول، لكن الرجل لم تعجبه استجابتي، فأخذ يستحثني بجمل انفعالية كي ابادره بالسؤال عن سبب غضبه، ولكني تماديت في تطنيشه، الا أن قال لي زاجراً :»ما رأيك بالاطباء؟»، وكان من الواضح انه كان يرغب ان أقدم له شتائم، ذلك اني وحينما قلت له ان وصف الطبيب يعتمد على أصله وتربيته وتواضعه العلمي، ضرب المقود بيده اليمنى، وصاح قائلاً: «هل تصدق ان طبيباً يمنع عن مريض ابرة خاصة بعلاج سرطان الدم لأن المريض لا يملك ثمنها البالغ «50»دينار».
نظر اليّ وكأنه يريد أن يتأكد ان كنت قد بدأت بالدخول في الوضع الدرامي أم لا، ثم عاود النظر الى الطريق وهو يقول:»هذا المريض هو أبني الوحيد بين ثلاث بنات، وقد استجديت الطبيب كي يعطيه الابرة على أن أسدد له ثمنها بعد يومين لكن الطبيب ملعون الوالدين رفض».
قلت له «لا حول ولا قوة الا بالله.. وتابعت»أ ليس لديك تأمين؟» فانفعل الرجل وبدا صوته مكتظاً بالتقوى التوسلية وهو يقول» منين ياحسرة أنا من الضفة الغربية، وقد خرجت حديثاً من الاعتقال الاسرائيلي وقضيت في الاعتقال «12»عاماً، وحضرت الى عمان كي أعمل وأعالج ابني الوحيد».
ولكن فجأة وحين نظر الرجل اليّ ليرى أثر مآساته على ملامحي، تمعنت في ملامحه بشكل جيد، وتذكرت ان هذا الرجل ذاته قد ركبت في سيارته قبل عدة أشهر وروى لي القصة ذاتها، وهو ذاته الذي جعلني أكتب تلك الزاوية عن «التسول المقنع».
طبعاً هذا النوع من المتسولين يضعك بين خيارين، الخيار الاول أن تعطيه ثمن الابرة، والاحتمال الثالث أن تعطيه بضعة دنانير. لكني اخترت الاحتمال الثالث حين قلت له عندما توقفت السيارة امام بيتي» عيب عليك أسمعتني هذه القصة بالتفصيل الممل قبل أشهر، عليك أن تبحث عن طريقة أخرى في التسول».
ولا أدري لماذا حينما رأيته يفرمل السيارة ويصدر بعجلاتها صوتاً أحمقاً. لا أدري لماذا فكرت بدائرة السير
| .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |