أعترف أنني أصبت بالدهشة وأنا أرى العقيد معمر القذافي يلوح برأسه المدمى بالدهشة وهو يتلقى ضربات الثوار وقبضاتهم التي كانت ترسم في فضاء المشهد حرقة الشعب المظلوم بقسوة الديكتاتور الذي ظلّ جاثماً على صدر شعبهم الليبي لما يزيد عن أربعة عقود.

وكنت أشهد فرحة الانتصار التي عبر عنها الثوار وهم يركلون وجهه بقبضاتهم وأرجلهم ويسددون الضربة تلو الضربة لدهشته التي ما توقعت يوماً أن يكون في حالة ترجي وتوسل كي لا يُقتل.

العقيد الذي وصف شعبه بالجرذان طالباً مطاردتهم في كل حارة وفي كل دار وفي كل زنقة، لم يصدق مشهده وهو يخرج من فتحة الانبوب الحديدي الذي يصرف المياه كأي جرذ، ويدخل في كاميرا التصوير كي يراه العالم عبر الفضائيات مجرد ديكتاتور ألقي القبض عليه، ويتلقى الشتائم والتكبير فوق رأسه بفرحة الانتصار على جبروته، ومن ثم يتلقى الرصاصة التي أودته قتيلاً، كي يصبح فرجة للتاريخ البشري، تاركاً مسدسه الذهبي ملقى بجانب جثته و»الحجاب» القماشي المستطيل الذي كلف به أحد سحرة افريقيا كي يحرسه من القتل.

اذن هذا هو العقيد الذي شطب الجغرافيا الليبية الكاملة وحلّ محلها بقامتها الشامخة وبأنفه المتقزز من كل شيء، ومن أفكاره التي حاولت أن تجُب كل المعارف السياسية التي ابتكرها الانسان، وكل الشرائع والقوانين ليضع كتابه الأخضر المليْ بالترهات والشطحات الساذجة، وليحوله الى مرجعية بقوة البطش والظلم.

هذا هو العقيد الذي بزغ في نجمه في لحظة تاريخية حمقاء، حيث كانت الانقلابات العسكرية المشبوهة هي ديدن الاستيلاء على السلطة، وحيث القومية الخرقاء والعرجاء الذي تاجر بها هذا العقيد، وهو يعلن الوحدة الفورية مع أي قطر عربي حتى ينقض على هذه الوحدة ويدمرها بيديه، وهاهو العقيد الذي كان يقبض مليارات النفط الليبي كي يقتحم من خلالها القارة الافريقية كي يتوج باسم «ملك ملوك افريقيا».

هذا هو العقيد ملقى على ارضية سيارة اسعاف، باتجاه مدينة «مصراتة» التي دكها بصواريخه، بدون حارساته من النساء اللبونات، وبدون ملابسه الفلكلورية المزركشة بسذاجة نادرة، وبدون خيمته التي ظلت تكسر حاجز البرتوكولات السياسية وهو ينصبها في كل عاصمة يزورها. وهاهو يكف عن الصعود الى المنصة كي يلقي تجلياته في الخطابة التي ظلّ يتعمد في نطقها التأتأة التي تعكس غروره وشموخه الساذجين.

هذا هو العقيد يمدد جثمانه على أرضية ثلاجة وسخة، وهاهم أبناء مصراتة يلقون عليه النظرة الأخيرة، ويقدومون للطغاة العالم درسهم في أن ارادة الشعوب قادرة على كسر غرور الديكتاتور وتمريغ شموخه بالدم.

فهل يتعظ باقي الطغاة؟.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور