أحد أصدقاء طفولتي كان ومازال يعاني من ذكورة مفرطة، وكان هذا يجعله يتعامل مع النساء جميعهن -باستثناء المحرمات عليه- باعتبارهن عشيقات مقترحات، وكثيراً ما كنت أراقبه وهو يتحدث مع النساء حيث كنت ألحظ ارتخاء وتهدل في ملامحه بحيث تبدو لهجته مغناجة وليست جدية على الاطلاق، هذا عداك عن الغمز واللمز واستعمال الاستعارات اللغوية التي يمكن وببساطة تأويلها .

صديقي هذا خطر في بالي هذا الصباح، ذلك أنه خاطبني ذات مرّة بجدية وبسؤال استنكاري قائلاً: «أبو الخل هل صحيح أن هناك اتحاداً للمرأة؟» فقلت له بسرعة «نعم ياصديقي» فما كان من صاحبنا الا أن ابتسم بسخرية جارحة وهو يقلب شفتيه تعجباً».

وما جعلني أتذكر صديقي هو الخبر الذي قرأته مؤخراَ عن أن ديوان التشريع الأردني يدرس مقترحاً باضافة مادة على نظام الخدمة المدنية تنص على منح الزوج «اجازة ابوة»، بعد أن تقدمت اللجنة الوطنية الاردنية لشؤون المرأة بالمقترح الذي يتيح للأزواج أخذ اجازة وذلك عندما تضع زوجاتهم مواليد، وكما هو متبع في معظم دول العالم، وقالت الأمينة العامة للجنة أسمى خضر في تصريح صحفي إن ثمة موافقة مبدأية على اضافة المادة بمدة أقل قد تصل الى ثلاثة أيام، مشيرة الى أن اللجنة سوف ستستمر بالمطالبة لايصالها الى اسبوع».

هذا الخبر لم يجعلني أتذكر صديقي فقط بل انثالت عليً بعض الصور الخاصة بطفولتي، حيث تذكرت والدي كيف كان يصاب بالواجبية التي تجعله يحس بالتقزز من أمي حين تضع مولودها، ذلك أنه كان ينسحب تماماً من علاقته مع كل العائلة، وينام في مكان منعزل داخل البيت، ويبدأ بالتأخر عن الحضور الى البيت تحاشياً لوجود الجارات المهنئات، اللواتي كن يجعلن البيت يفور برائحة القرفة والثرثرات الطويلة، اضافة الى انشغاله الوهمي باختيار اسم المولود، واستخراج شهادة الميلاد للطفل الجديد. وقد كان يسبق ذلك استعدادات بالطلب من نساء الأقارب كي يقمن في بيتنا، والاستعداد للاستنفار البيتي بانتظار لحظة الولادة التي لا أدري لماذا كانت تحدث في الساعة الثالثة فجراً، وكان هذا يجعلني أموت رعباً من المهمة التي سأتكفل بها بالذهاب الى كل جارات أمي، في تلك العتمة الفجرية،هذا اضافة الى تكليفي بنقل المشيمة ومعي الفأس كي أحفر لها في التربة وأدفنها خارج البيت.

هذه الانثيالات في الذاكرة جعلتني اتساءل «اجازة أبوة؟ ياالهي كم تغيرنا وكم تغير عالمنا؟».


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور