في زحمة انشغالاتنا اليومية في المتطلبات الحياتية والمعيشية والبحث عن هدأت البال الاقتصادية، تحولنا الى وحوش ضارية، ذات مخالب باردة لا تتوانى عن اقتراف أي فعل يمكن أن يعيق تطلعاتنا. وفي مثل هذا السيل العدواني الهادر صار مصطلح «الحب» من المصطلحات النائية عن أرواحنا، وصارت جميع عناقاتنا في اللقاءات والمناسبات تبدو وكأنها بلاستيكية، وصرت انا تحديداً وحينما تمتد يد لمصافحتي أحس أني أقبض على دودة لحمية لدنة. تثير فيّ القرف والاشمئزاز.

نعم فقدنا أسمى عاطفة في الانسان، فقدنا الحب هذا الشعور الذي كان يجعلنا نشتعل بالمحبة ودفء المشاعر، ويجعلنا نجدد خلايانا الروحية عند كل عناق وعند كل لقاء. وفقدان الحب او الشعور به يعني ببساطة تخلينا عن ارتباطنا الحقيقي بفكرة الزمن، وترتب على هذا الفقدان التعامل مع الايام بنوع من التقزز الذي لا يثير أي شجن في الروح، وان توالي الايام والشهور والاسابيع ما هو الا فعل اعادة رتيبة لاوقات ممجوجة وفاسدة الطعم ولا تمنحك ذاك الشعور الطفولي في استعجال قدوم اليم التالي. وفقدان ذكرة الحب جعلنا نفرغ الزمن اليومي والاسبوعي والشهري من مضمونه فبتنا نعامل ايامنا ب»القطعة»، وان نفرح بانتهاء زمن ذاك اليوم.

نعم فقدنا ذاك الحب الذي كان يجعلنا نقبل على الحياة برومانسية تحولت في زمن فقان الحب الى حالة غباء. وصار من المستحيل أن يطرق باب دارك صديق أو صديقة أو حتى شقيق دون موعد ليقول لك «اشتقت اليك».

واذا تعمقنا كثيراً في موضوع فقدان الحب كمرجعية وكقيمة حقيقية فاننا سوف نكتشف ان معظم التدميرات الاجتماعية التي نعيشها هذه الايام سر وجودها هو فقدان «الحب»، وان المشاجرات الاجتماعية التي تحدث بشكل همجي كل يوم بيننا هي بسبب فقدان «الحب». وان احصائيات حوادث الطلاق هي في معظمها تحدث في الاساس بسبب فقدان «الحب». وان امراض الاكتئاب والفصام النفسي والتي انتشرت بيننا كالزكام اصل حدوثها هو فقدان «الحب».

ان تخلينا عن الاستماع الى الاغنية التي كانت تقود لنا الحبيبة مخفورة بقوة التخيل، وتخلينا عن استجابة الجسد للرقص والانعتاق احتفاء بهواء الوطن وبطبيعته الساحرة اساسه هذه القسوة التي نبديها في التعامل مع الحب.

ان دخولنا اليومي في شرنقة البيت والاكتفاء بمشاهدة الفضائيات التي ترينا دمنا في الشوارع والميادين والساحات العربية اساسه فقدان «الحب».

أنا لست واعظاً في الحب، ولكني أشعر ان سر جلوسنا على تلك الهضبة الجليدية القطبية بتلك الوحدة الموحشة هو فقدان «الحب» كقيمة ظلت تنتج وتولد الحضارات.

وان هذا الفقدان هو من أعظم الخسارات.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور