انه المطر السيد المائي مانح الماء للارض التي حفر سطح ترابها يباس الصيف، وخلق كل هذه الشقوق النحيلة فوق سطحها، التي تتوسل ان تختفي الشمس الوهاجة خلف الغيوم، كي تبل عروقها بشهقة العطش والارتواء كي تمنحنا تلك الرائحة الترابية النادرة.
انه المطر يدفق فوق أسطح البيوت ويجعل المزاريب تشقع كي تُسمعنا تلك البحة المائية التي توقظ في أرواحنا طعم البلل وتعمق الرغبة عندنا بالاختباء، نحس بذلك من الحاح قطراته وتسارع انزلاقها فوق سطح النافذة. كي يشعرنا بضرورة التلاصق العائلي كحبات المسبحة حول المدفأة.
انه المطر العائلي الذي يجعلك تحس برغبة غامضة للالتقاء مع الجيران والاصدقاء والاشقاء،كي تشكل معهم تلك الحلقة الدائرية التي تحتمي بدفء الحضور وسط هذه الثرثرة المائية التي يحدثها ايقاع صوت حبات المطر.
انه المطر الذي أكد على حضوره مبكراً هذه المرّة وجعل النساء يغلقن الباب المؤدي الى الشرفة، كي ينسحبن الى أخر الأمكنة في البيت دفئاً، ويذهبن الى سنارة الصوف كي يغزلن الجرزة الصوفية ذات اللون المشمشي لآخر العنقود، أو للحفيدة التي مازالت في خطوها الأول نحو ملابس الصوف واحتكاكاتها الدافئة.
انه المطر الذي يريك الشوارع والأبنية والطرقات الاسفلتية وهي تنهمك في البلل، ذاك البلل الذي يفقدها صرامتها كي يُطعمها بشيء من الحنو الذي تحسه يسري في عروقك كالقشعريرة.
وهو المطر الذي ينهض اموات العائلة الأم والأب والشقيق من قبورهم كي يتشكلوا كضباب مائي امامك بكل هذا الرونق البشري وهم يسردون امامك حضور ذاكرة العائلة التي ذهبت مطولاً في الغياب وأبقتك وحيداً دون أي عناق، وأفقدتك طعم الدار الأولى. دار العائلة.
وهو المطر القادم من هضاب غيمية منخفضة تجعل الملامح تحمل تلك العتمة الشتوية المحببة، وتمنح المرأة قوة الحضور الانثوي الذي تحسه يتوسل اليك بالبقاء فترة أطول كي تنعمان في الدفء الخارج من وحشة المصافحة والعناق.
وهو المطر الذي يوقظ ذاكرة كاملة وانت تسترد طفولة الشقاوات الطينية ووحشة التحديق في البوابات المغلقة في الحارة، وذاك الامتداد النحيل للأزقة التي كانت تعيش وحدتها الموجعه كلما اشتد هطل المطر.
انه المطر هذا الذي كلما سمعت ايقاع حبات مطره شعرت بكل هذا الغموض في الاختلاط بين الحزن العميق والبهجة التي تجعلك ترغب في معانقة كل شيء.
انه المطر.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور