ماعاد أحد منّا يقدر على ان ينجو من الدم العربي، دم الفقراء وهو يرسم مشهده الموجع في الفضائيات العربية والعالمية، فالمشهد الذي تقدمه الفضائيات والذي ينبت على سطح شاشة التلفزيون كاحدى ثمار بطش الديكتاتور العربي، أخذ يبدو وكأنه يسيل فوق مقاعدنا وفراشنا ويقض مضاجعنا ويجعلنا نفقد اتزاننا البيتي مخلخلاً قدرتنا الاعتيادية في ممارسة رتابة حياتنا.

ان تلك الصورة التي تظهر وجه الفتى السوري وقد تغطى وجهه وعنقه بهالة حمراء تسعى للتغطية على مشهد اقتلاع حنجرة الفتى الذي كان يهتف ضد النظام وذلك خوفاً على شعور المشاهد، ولكن من قال اننا نجونا من المشهد؟ نحن عشنا المشهد الدموي ونحن نرى الاحبال الصوتية المدماة وقد اقتلعت كي تجز صوت الهتاف.

وصورة تلك المرأة الحمصيّة التي حاولت أن تتخطى عتبة بيتها كي تنقذ ابنها الذي سقط قتيلاً وسط الشارع فارداها القناص قتيلة على عتبة الدار جعلتنا نتصور الدم الذي فار في حوش الدار ولوث الياسمين بلون الدم الاحمر القاني، مثلما جعلتنا نستعيد بساطة صباح تلك السيدة وهمتها في ايقاظ افراد العائلة الواحد تلو الآخر، وجعلتنا نتصور فجيعة رب العائلة العائد للتو من عمله المحاط بنيران العسكر، وهو يرى أم الاولاد والابن الشاب مطروحين امام البيت بدمهما البشري الطازج.

اما المرأة الأم التي كانت تقلب جثة طفلها الذي لم يتجاوز عمره خمس السنوات وهو مضرج بدمه وهي تهزه وتتلمس جسده محاولة اعادة الحياة له فكأنها توقظه من نومه فان ملمس اصابعها المغمسّة بدم ابنها الصغير فقد ادخلتنا في مساحة من الرعب.

وهي تشبه ذاك الأب الذي اقتعد الأرض وهو يخاطب ابنه الفتى الممدد عارياً في كفنه ويحادثه بلغة النواح الاسطورية التي تجسد بالفعل فجيغة الفقدان.

انه الدم الذي يسيل في كل ساعة اخبارية تبثها الفضائيات، وهو الدم الذي ياخذ احياناً نصف الشاشة التلفزيونية لترك مساحة لوجه الضيف الذي يُنظر لبشاعة الحادثة.

وهو الدم الذي صار جزءاً من حياتنا وجعل نهاراتنا تحتمل كل هذه العتمة، وهو الذي جعل ايامنا تبدو وكأنها مُغمسة بالقهر.

ها هو الصبح يطل عليّ، وها أنا أفتح بوابة بيتي لأكتشف انني أسير وسط سيول من الدم وأن الدم قد يصل- كما تقول النبوءات الخاصة في هذه المنطقة- حد الركب.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور